تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
قال النصراني : وكنت أنظر إلى الدريعي بن شعلان فأرى عينيه تشتعلان ، ومناخيره تنتفخ ، وأخاف كل لحظة من تلك اللحظات المنحوسة أنه لا يستطيع كظم غيظه فيرد كلام الملك بكلام أشد من كلامه فيهيج غضب الملك أكثر ، ولكنه مع اضطراب فؤاده رأى نفسه بلا نصرة ولا حماية من طرف الملك الذي يلومه ، فامتنع من التكلم وكظم غيظه ، ثم قام بغاية الوقار والهيبة وانصرف بالتؤدة ليشاور نفسه في أمره . وكانت نجد ترتعد من هيجان ابن سعود لا أحد يتجاسر على مخالفة مراده . فجلسنا في محلنا مدة يومين بلياليها ما نسمع شيئا من أخبار الدولة ، إذ لا يرغب أحد في معاشرتنا . والذين كانوا يكرموننا غاية الإكرام عند وصولنا اجتنبونا الآن ، واستهزأوا باعتمادنا على ذمة رجل قد اشتهر بالخيانة وسفك الدماء ، فكنا في كل وقت نترقب مجيء أعوان الظالم لقتلنا ، ونتفكر بغير منفعة في كيفية خلاصنا من مخالبه ، ثم في اليوم الثالث قال الدريعي : إن الموت أحسن من التحير والارتياب ، فبعث خلف أحد من وزراء الوهابي كان يسمى أبا السلم « 15 » فقال له : أبلغ سيدك كلامي هذا : كلما تريد أن تفعله فافعله حالا ، لا أذمك بل أذم نفسي التي ركنت إليك وصدقتك . فانصرف أبو السلم ولم يرجع ، وما جاءنا من الملك إلا خمسة وعشرون عبدا أسود ، وقفوا ببابنا ، ففهمنا أننا أسراء لا محالة .

كتب الشيخ الحنبلي :

« لا نعرف أبا السلم ولا سمعنا بوزير له يسمى بهذا الاسم ، فمدة مملكة سعود اثنتا عشرة سنة ، ومملكة عبد اللّه أربع وكسور ، ومدة مملكة أبيه عبد العزيز أربعون سنة ، ومدة مملكة جده نحو ثلاثين سنة ، وما سمعنا لأحد منهم وزيرا يقال له أبو سلم » « 15 » . قال النصراني : فعندما شاهدت ذلك صرت ألعن الرغبة المنحوسة التي أوقعتني في الخطر ، وهي الرغبة في الاغتراب من خواص النصارى الطبيعية ، وأما الدريعي فلم يكن يخاف من الموت ، ولكنه كان لا يصبر على الحبس والغصب ، وكان يتمشى في سجنه طولا وعرضا ، كما يتمشى الأسد الأسير أمام حدائد قفصه ، ثم قال : واللّه لقد طالت هذه الحال ،
هامش
( 15 ) عبارة الصايغ : « أبو السلام ، من أحد مدبّري الوهّابي » .