وبين النخيل واد مفتوح ، يدخل منه إلى الدرعية من غير سور ولا أبواب ، قدر ربعها ، يقال له باب سمحان ، ولا يدخل من ذلك أحد من المسافرين » « 10 » .
وقصره واسع ذو دورين ، وهو مبني من حجر أبيض منحوت جيدا . فلما بلغ ابن سعود خبر وصولنا أمر بإدخالنا إلى محل من محال قصره ، منظوم ظريف الأثاث فجلسنا فيه ، ثم جيء بطعام وافر فأكلنا ، وتفاءلنا بالخير وشكرنا اللّه تعالى ، حيث لم نطع من خوّفنا من السفر . ولما جاء المساء نظمنا ملابسنا وتزينا ثم حضرنا لمقابلة الملك ، فرأينا رجلا كان عمره خمسا وأربعين سنة ، في عينيه عبوس واتساع ، وجلده أسمر ، ولحيته في غاية السواد ، عليه قباء مشدود في وسطه بحزام أبيض ، وعلى رأسه عمامة مخططة خطوطا حمراء وبيضاء ، وعلى كتفه اليسرى مشلح أسود ، وفي يده اليمنى قضيب ملك ، كأنه علامة ملكه « 11 » .
كتب الشيخ الحنبلي :
« [ لحيته ] في غاية البياض « 12 » . [ وهم ] يلبسون القبا ولا تحزم الأحزام السلاح . [ وفي يده ] ليس بقضيب بل مشعاب ، وليس علامة على الملك ، بل ينقله العام والخاص » .
وكان جالسا في صدر قاعة مفروشة بالحصر والبسط الفاخرة ، وأكابر مملكته
هامش
( 10 ) إن عبارة الشيخ الحنبلي من الإبهام بمكان ، فكيف يدخل إلى الدرعية من واد مفتوح ، وكيف لا يدخل من ذلك أحد من المسافرين ؟ ويستنتج من كلامه أن الدرعية ما كان لها سور ولا أبواب ، وكرر مرتين قوله : ليس للدرعية باب ( انظر ص 298 و 305 ) ، مما يحملنا على الظن أنها كانت مدينة مفتوحة ، مع أنها كانت محاطة بوسائل دفاعية هامة ، لأن عاصمة الوهابيين كانت مهددة بالحروب والغزوات . ويعلمنا المؤرخ الفرنسي ما نجان أن الدرعية كانت مكونة من خمس بليدات : هي شبه أحياء ، وكان لكل واحدة منها سور وأبراج ، وهي غصيبة وطرفيّة وسهل وقسّيرين وطريف . وكانت غصيبة وطرفية مبنيتين قرب جبل وكانت تحميهما قلعة حصينة ( مانجان ، تاريخ مصر ، ج 2 ، ص 118 ) . وعندما هاجم إبراهيم باشا الدرعية ، صمدت له القوات الوهابية ، وسدّت بعض العناصر ( بوابة سمحان في الطرف الشمالي من القلعة حيث تمركز عبد اللّه نفسه داخل الأسوار . وفي الخامس من تشرين الثاني ، شن إبراهيم باشا هجوما شديدا مركزا على حصون المدينة من جميع الجهات ) ( عبد اللّه فيلبي ، تاريخ نجد ، ص 153 و 159 ) .
فمن الواضح الجلي بعد هذه الشواهد أن قول الشيخ الحنبلي أن الدرعية ما كان لها سور ولا أبواب لا معنى له ، لأنها كانت مقسمة إلى خمسة أحياء ، وكل حي منها كان محاطا بالأسوار والأبراج ويدخل إليه من باب حصين . ولم يغادر إبراهيم باشا الدرعية إلا بعد أن دمرها ودمر حصونها وأبراجها .
( 11 ) لم يقل الصائغ أن القضيب علامة ملك ابن سعود .
( 12 ) الحنبلي يتكلم عن سعود والصايغ عن ابنه عبد اللّه .