تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
قال : الذي أتى بمكتوب علي ابن عواد وأخذ جوابه قد يكون مرّ عليه أثناء مسيره من عندنا ، وحكى له جميع الواقع . ففحصنا عن ذلك ووجدنا أنه بالواقع مرّ به ، وأن ظنّ الدريعي بمحله . فقلت : وما يستحسن عمله الآن ؟ قال : هذا السيف يفصل بيننا وبينه ، واللّه أكبر عليه « 43 » . ثم ثاني يوم ركب سحن بنحو خمس مئة خيال فقط وسار إلى غزو قبيلة عابد كي 2 / 57 ينهب طرشها كما هي عادتهم دائما . فغاب عنا / ثلاثة أيام وعاد اليوم الرابع وقد كسب مئة وأربعين جملا ورأسي خيل عظيمة . وحكى لنا أنه حين أغار على الطرش وصل الخبر إلى البيوت . فركبت عرب الشرارات ولحقت بهم ، فوقعت حرب شديدة بينهم . فقتل من عربنا أربعة أنفار فقط ، ومن عرب الشرارات كذلك ، وأما المجرحون « 44 » من الفريقين فكثيرون . والسبب في وقوع قليل من القتلى أنهم يتحاربون بالرمح فتكثر الجرحى . ومن جمله خيالتنا الذين كانوا مع سحن واحد يقال له صبيهي ، شاب عظيم من أقرباء زوجة سحن . فعادوا به محمولا ، وكان به تسعة جروحات كبيرة بالغة بالسيوف وضربتان بالرمح خارقة من الخاصرة إلى الأخرى وفي رأسه ضرب كناة كسرت رأسه . فالكناة هي عصا رأسها مكتل بقدر الرمانة ، مضروب بها مسامير من الحديد . وأحد الرماح لم يزل مشكوكا فيه مثل قربة اللحم ، فوضعوه على الأرض ولا يمكن أن يميّز المكان المجروح من السليم إذ كان مثل بركة دم . فأتوا حالا ونشروا طرف الرمح من الجانب الواحد عند خاصرته وسحبوه من الطرف الثاني . وبينما هم على هذه الحال إذ رفع أجفانه فرآني واقفا فوق رأسه فقال : لا تخف علي يا عبد اللّه تراني بعون اللّه سالما « 45 » . أعطني غليونك حتى أدخن « 46 » التوتون . ومد يده وأخذ الغليون وصار يدخن كأنه في غاية الصحة وكأنه لم يحدث له أمر . فتعجبنا منه نحن وكل من كان حاضرا ، وبعد عشرين يوما شفي وعاد إلى ركوب الخيل أحسن مما كان سابقا . وكل المداواة « 47 » كانت قلة شرب الماء ، لأنه يشرب عوضا عن الماء حليب الجمال والسمن الطري ، وأكله دائما التمر بالسمن مع قليل من الخبز . وكل ثلاثة أيام تغسل جروحاته ببول الجمال . وعلى تلك الحكمة
هامش
( 43 ) « اللّه وأكبر » . ( 44 ) « المجاريح » . ( 45 ) « طيب » . ( 46 ) « اشرب » . ( 47 ) « حكمته » .