وأعطينا الكتاب إلى المرسال « 38 » . وسألناه من كم يوم خرجت من عند علي ؟ قال :
من ستة أيام . وكان راكبا هجينا خمساويا « 39 » ، فتكون الجملة ثلاثين نهارا . ثم ركب وتوجه .
وبعد ذهابه قال لي الدريعي : أني تعجبت منك كيف ذكرت في مكتوب عليّ سوف ترى ما يحل بك من سطوة السلطان ، وأظهرت كما لو أننا صحيحا من طرف العثماني بهذا الشغل .
قلت : نعم وهذا هو التدبير الواجب ، دعه يظن أننا من أتباع العثماني ، فيدخل عليه بالأكثر الخوف والوهم بهذه الطريقة . وكذلك إن أتانا مكتوب من العثماني بهذا المعنى ، نظهر حالنا من طرف الوهابي ، ونقطع قلوبهم من سطوة الواحد على الآخر ، ونحن نستريح ونفعل ما نريد :
هذا هو عين السياسة الصالحة لنا . ففرح من ذلك .
ثم رحلنا ثاني يوم وقطعنا نهرا يقال له الساجور « 40 » . فوجدنا هناك أناسا تقطعّ النهر بالفلائك لأنه نهر عظيم كبير وشاطئه كله رمل ومن الصعب جدا قطعه على ظهور الخيل إذ تغرز فيه رجل الدابة . فهذا النهر يقطع الجزيرة بالنصف ، ومواصل من الفرات إلى الدجلة « 41 » . ونزلنا على طرف النهر المذكور . وكان بالقرب منا قبيلة يقال لها الشرارات .
1 / 57 أميرها اسمه عابد ابن اصبيح . فهذه القبيلة تحتوي على ألفين وثلاث مئة بيت ، رجالها أهل حرب / ولكنهم عنيدون جدا وغشماء نوعا ما ، ونساء هذه القبيلة أفهم من رجالها . ثم كتب الدريعي مكتوب سلام ومحبة إلى أميرها ودعاه لكي يحضر عندنا . فلما وصل المرسل [ وقرأ الرسالة ] غضب ومزّق المكتوب وقال : أنا عارف بجميع هذه الحيل « 42 » . قم وعد عند سيدك وقل له ما من جدوى ، واللّه العظيم ، إنه لن يراني في اتحادهم ، ولن يرى اسمي وختمي ولو فنيت أنا وكل عربي ومن يلوذ بي من القبائل والعشائر . فرجع المرسل وتكلم بجميع ما ذكرنا . فقال الدريعي : إني على علم تماما أنه سيحصل مثل هذه الأمور ، أولا لأن قبيلة الشرارات مشهورة بالغشم والجبن ، ثانيا لأنه توجد صداقة عظيمة بين عابد وعبد اللّه الهدال ، كاخيا ابن السعود ، وهو المسؤول لدى المذكور عن خرابنا . قلت : هذا رأي جيد ، ولكن كيف عرف عابد بهذه الأمور ، ومن أين له أن يعلم أن الوهابي قد اسند إلى عبد اللّه الهدال أمر مضادتنا ؟
هامش
( 38 ) المرسل أو الرسول .
( 39 ) الهجين الخمساوي يقطع في اليوم المسافة التي تقطع عادة في خمسة أيام .
( 40 ) يريد الخابور .
( 41 ) الواقع أن الخابور يصب مياهه في الفرات آتيا من نواحي الدجلة .
( 42 ) « الملاعيب » .