[ نقد المسالك والممالك للبكريّ ]
وما زال أهل الإتقان يقعون في مثل هذا . ألا ترى إلى أبي عبيد البكريّ مع تحقيقه « 1 » وفرط اعتنائه ، ونبل تواليفه ، قد أودع في مسالكه من الغلط في صفات البلدان ، وتحديدها وترجمتها ما لا غاية وراءه . فمن ذلك قوله في إيلياء مدينة بيت المقدس : « إنّ الجبال محيطة بها » وإنّما « 2 » هي في نشز من الأرض كما ذكر ، وليس بالقرب منها جبل إلّا رواب وتلال . وأظنّه سمع بما دار بها من الوعر ، وما حازها من جهات الأودية المنقطعة ، فظنّها جبالا . ومنه قوله في وصف قصر الجمّ بإفريقيّة - وهو قصر الكاهنة - : « إن في دوره نحوا من ميل » « 3 » وقد طلعت « 4 » إلى أعلاه ، وتأمّلته ولو رمى الرّامي حجرا لخلّفه به .
ومن ذلك قوله في سرت : « إنّها مدينة كبيرة على ساحل البحر بها حمّام وأسواق ، ولها بساتين ونخل » « 5 » ، وهذا كلّه لا وجود له ، وإنّما هي قصير صغير يعرف بالمدينة ، وهو أوّل قصور سرت من جهة الشّرق . وبينه وبين البحر مسافة ، وما للنّخل بسرت كلّها وجود ، وأظنّه [ 85 / آ ] سمع بأنّ التّمر عندهم كثير ، فحكم بوجود النّخل عندهم ، وغلط في عكس القضيّة . والتّمر عندهم مجلوب من بلاد أوجلة « 6 » . ومن ذلك قوله في نفيس « 7 » بالمغرب الأقصى « إنّها مدينة
هامش
( 1 ) - في ت وط : تحققّه .
( 2 ) - في ط : وإنّها وهو تحريف .
( 3 ) - المغرب في ذكر إفريقية والمغرب : 6 .
( 4 ) - في ت وط : طلعته .
( 5 ) - المغرب : 31
( 6 ) - أوجلة : مدينة بينها وبين برقة في البحر عشر مراحل . وهي مدينة صغيرة متحضرة ، وهي في ناحية البرية يطيف بها نخل وغلات لأهلها . انظر الروض المعطار 64 .
( 7 ) - نفيس : مدينة من بلاد المغرب عند أغمات تعرف بالبلد النفيس . وهو مدينة قديمة صغيرة حولها عمارات وطوائف من قبائل البربر . انظر المغرب 160 ، الروض المعطار 578 .