يحاول أن يبدو للناظرين كأنه - غيره هو - المعنى بهذا المديح ، فيعبث بالشوكة تارة ، وفرك لباب الخبز طورا ويلتفت وراءه حينا ، ويتناول سيجارة ليشعلها ثم يردها .
وما كدنا نفرغ من الطعام ونتهيأ للقيام - فقد كان المقرر أن نعفى من الخطبة حتى رأينا شيخا يغادر مكانه ويقبل فيقف قبل الرئيس كأنه ينتظر الإذن ، فينظر إليه الرئيس مليا ثم يأبى له الأدب أن يرده ، فيقول " تفضل " .
وقد استغربت ما سمعت ، فما كان هذا مقامه ، ورأيت الرئيس يلتفت إلى الأستاذ أحمد أمين بك وسمعته يقول " ما رأيك " فلم يجب الأستاذ ولكنه نهض بعد فرغ صاحبنا ، فيقول كلاما حسنا يعد ردا على ما سمعنا وتعجبنا له ، فأنقذ الموقف .
وصار الواجب بعد ذلك أن يقول أحدنا كلمة شكر ، فقالها الدكتور طه ، جزاه الله خيرا ، وأحسن كل الإحسان ، واثنى أطيب الثناء على وزير المعارف نصوح بك البخاري 39 الذي لم يفارقنا لحظة واحدة في أسبوع المهرجان ، وأن لا يفتر في رعايته لنا ، ولا يقتصر في تعهدنا وبرنا .
وقد جاءني معاليه بعد أن نهضنا عن الموائد وتفرقنا في الحديقة وشكا إلى أن الدكتور طه بالغ وأسرف ، فقلت له يا سيدي :
إن الدكتور طه إنما عبر عما نطوى جميعا لك من الحب والإجلال والشكران ، ولو لم يشكرك طه ، لشكرتك أنا ولكنت أشد منه إسرافا ، وما أراه قصر في حقك ، فقال أنت شر منه ، ومضى ، وهو أشد عما يكون استحياء .
رحلة الشام — صفحة 152
مساهمون: إبراهيم عبد القادر المازني
ص١٥٢