السيارتان طويلا حتى ربطت بالحبال واضطررنا بعد ذلك إلى السير على مهل مخافة أن تتعطل السيارة .
سقطت منى ورقة بخمسة جنيهات مصرية في القنيطرة على الأرجح وكنا وقفنا بها قليلا لنشترى بها طعاما فلم نجد خيرا أو أنظف من " الطعمية " والعنب ويظهر أنى أردت أن أعيدها إلى جيبي - أعياني صرفها - فوضعتها خارجه وأنا أظن أنى دسستها فيه ، ولما رددت عن فلسطين طلب السائق الذي كان مع إخواني ، خمسة جنيهات من زميله يستعين بها حتى يقبض أجرته ، فاعتذر له زميله بأن ما معه لا يبلغ هذا القدر ، فقلت له أنا أعطيه ما يطلب على الحساب وبحثت عن الورق وأصبت ببرد من طول الوقفة والتعرض عند " جسر بنات يعقوب " وكانت ثيابي أخف ما يلبس وأهملت التوقي .
ولما عادت بنا السيارة ضل السائق الطريق فظل يحملنا - أنا وصديقي الدكتور طلس - هنا وهناك ثم يرتد وهو لا يهتدى نصف ساعة حتى خفنا أن يدركنا الليل قبل أن نصل إلى نقطة الحدود السورية . ولست ممن يتطيرون ولكني أعترف بأن كلمة " يا ساتر " حين رأيتها مخطوطة بالدهان الأحمر على زجاج السيارة أمام السائق لم تقع من نفسي موقعا حسنا ، وكانت عيني تتجه إليها كلما حدث شئ . وشبيه بهذا ما وقع لي مرة منذ ربع قرن تقريبا وكنت يومئذ أسكن بيتا ( على تخوم العالمين ) وإني لعائد إليه عصر يوم وإذا بفقيرة عمياء مستندة إلى جدار تتنهد وتقول " استرحنا والحمد لله " وليس في هذه العبارة ما يسوء ولكن صدري انقبض لها ، وسمعت نفسي أقول " أعوذ بالله " . وفي منتصف تلك الليلة
رحلة الشام — صفحة 131
مساهمون: إبراهيم عبد القادر المازني
ص١٣١