تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
وعندئذ قال جميع المماليك للسلطان سليم : يا مولانا السلطان لقد امتزجت جرايتنا وأعلافنا بغلال مكة والمدينة ، وأصبحنا جزءا من الوقف ، فعدمت البركة أموالنا وأرزاقنا وطعامنا ، فنرجو يا مولانا السلطان أن تمنع ذلك . فاستجاب السلطان لرجائهم وأنشأ المخازن سالفة الذكر في بولاق ، وكان هذا منه خيرا عظيما ، وهذه المخازن كذلك مكشوفة بلا سقف . وفي مصر القديمة هذه عدة مئات من مخازن الغلال ، وهي شونات خاصة بأعيان وأشراف مصر ، وكلها مسقوفة ، بيد أنها عديمة البركة . وإذا ما وقع القحط في مصر لحق الضرر - ولا شك بأصحاب هذه المخازن ، وهذا الضرر يصيب أموالهم وأرواحهم وعيالهم . ولكن الله وهب ( أنبار يوسف ) بركة الخليل ، ففي مصر سبعون طائفة عسكرية ، وهي : الانكشارية ، والعزب ، والمتفرقة ، والجاويشية ، والمطوعة ، والسپاهية ، والتوفنكجيان ، والجبه جيان ، والمدفعية ، وطائفة المتقاعدين ، والجواليه ، والأيتام ، والطواشية ، والنساء ، وطائفة الأئمة والخطباء ، والمشايخ ، والسادات ، والحاصل أن هذه الطوائف السبعين سالفة الذكر تضم سبعة وأربعين ألف وثلاثمائة وسبعين من عبيد السلطان يصرف لهم الجراية والعلف كل عام وكل شهر صباح مساء من أنبار يوسف . وعلاوة على هؤلاء ففي القاهرة مليون وستمائة ألف نسمة طبق ما سجل ببرام باشا ، وهؤلاء كذلك تمس حاجتهم إلى مخازن يوسف ، لأن حبة القمح هذه مبذولة للغنى والفقير والشاب والهرم والناس جميعا على اختلاف أجناسهم ، وكل من له عقل أرسطو يعجز تمام العجز عن فهم تلك الأسرار وحاروا فيها إلى أن ماتوا . إن نعمة الله مبذولة للخلق ، فمخازن يوسف هذه معجزته وهي ممتلئة من خزائن الغيب ، يقول عز من قائل :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
هود : 6 . إن هذا هو كلام رب لعزة القديم ، ورزق العالمين عليه عز شأنه ، وهذا شاهد على أن الله يرزق جميع مخلوقاته .
يا من كرمك وهو من خزائن الغيب * طعم منه المجوسي والمسيحي
كيف تحرم الأحباء * وأنت من ترعى جانب الأعداء