تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
الجامع معلق فإن أرضه يابسة وجدرانه الأربعة من الرخام المجلو ، وفيه يبدو وجوه الساجدين في ركوعهم وسجودهم . وبما أن أوقافه كثيرة فخدامه كثير ، وهم على الدوام ينظفون الجامع . ويتوسط حرمه حوض عظيم تعلوه قبة عالية مرفوعة على ثمانية أعمدة بديعة من الرخام ، وشادرواناتها دائمة الجريان ومنها يجدد المصلون وضوءهم . وللجامع منارتان وعلى جانبي بابه الحديدى منارتان عاليتان ذات ثلاث طبقات ولكن كل منهما قريبة من الأخرى وغاية في دقة البناء ، وثمة منارة أخرى في الركن الواقع على يسرة المحراب . والمحراب غاية في الجمال ومنبره من الخشب المزخرف . كما توجد مقصورة هي مقر المؤذنين مبنية على ثمانية أعمدة رقيقة بديعة . وله سبعون نافذة لها قفص نحاسى ولها مائة وعشرون لوحا من زجاج . وخلاصة القول أنه جامع يشرح قلب من يشاهده ، وفيه من الثريات ما لا وجود لمثلها في جامع سواء . وفي محرابه فانوس من النحاس الأصفر . وللجامع ألفا قنديل وكأنه مصباح منير . وهذا الجامع ركين البنيان كالقلعة . وفي عام 1072 حينما كان عمر باشا واليا على مصر أعلن مماليكه العصيان فتحصنوا في هذا الجامع ، ودام القتال بينه وبينهم ثلاثة أيام بلياليها . وقد حاول استمالتهم فأصدر عفوه عنهم وأمّنهم . إلا أنهم استمروا في تمردهم عليه واستأنفوا القتال وأغاروا على أرجاء المدينة هنا وهناك ؛ فأخرج عمر باشا العلم النبوي المبارك وجعل المنادين ينادون في المدينة يرددون أنه ليأت من يدينون للسلطان تحت هذا العلم ، وأن قتل هؤلاء العصاة حلال ، وأموالهم كذلك غنيمة للسلطان . ثم تمنطق عمر باشا بسيف الفاروق عمر وأحضر ما يقرب من خمسة مدافع من طراز « بال يمز » وأقام الحواجز عند حمام الصوباشى ونشب القتال من نوافذ وأسطح المنازل ، وأطلق عمر باشا عدة قذائف فأصابت بعضها جامع المؤيد ؛ فألقت الرعب في صدور العصاة فتبدلوا من قرارهم بفرارهم ، وتتبعوهم من شارع إلى شارع وأعملوا فيهم السّيف . وبحسن تدبير عمر باشا دخل القلعة مظفرا منصورا ووجد فلولهم فقتلهم .
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 268 | اولياء چلبي