المكان ممتاز . وعندما زرت المعاون الشاب في خيمته ، وجدته جالسا وبجانبه جهاز راديو وأمامه منفضة سيكاير مملوءة بأعقاب السكاير ، قلت له بغاية الحماس « أنت سعيد جدا أيها الشاب لأنك تعيش هنا في هذا المكان الجميل » . وبدلا من أن يسرّه كلامي هذا رأيته ينفجر في الكلام ويقول :
« سعيد ! واللّه ، لولا جهاز الراديو لأصبحت من عداد المجانين . ماذا يفعل رجل متمدن في هذا المكان الموحش ؟ ، فالشخص الذي كان هنا قبلي لم يبق سوى أسبوع واحد . دفع لهم المال فنقلوه . أما أنا فإنني فقير الحال ، لا أستطيع أن أقدم أي شيء لأدفع المال ، لذلك تجدني أجلس وأصغي إلى إذاعة بغداد » .
يسكن منطقة الكبيش والقرى المجاورة لها على امتداد نهر الفرات عشيرة بني أسد وهي عشيرة عربية إنسحبت إلى الأهوار قبل ثلاثة قرون وذلك من جراء المعارك التي دارت فيما بينها عبر التأريخ من الغلبة والاندحار . وفي أوج أيامها إمتصت هذه العشيرة كثيرا من الناس الضعفاء وأكثرهم ليسوا عربا في الأصل ، كانوا يلتمسون الحماية منهم وبهذا العمل ازدادت قوة .
ومن الأهوار خاضت حروبا متقطعة وناجحة مع الأتراك . وهي لا تزال مصدر القلاقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى أن دحرهما الإنكليز وأزاح شيوخهما في سنة 1924 وإنحلّ الكيان العشائري منذ ذلك الوقت .
الزراعة في الكبيش أمر لا يمكن التنبؤ به دوما ، وفي السنوات الأخيرة ، أخذت العشيرة التي يبلغ تعدادها الآن مقار ( 000 ، 10 ) نسمة ، تعتمد على حياكة الحصران اعتمادا متزايدا . وهي مع مضي ثلاثة قرون من حياتها في الأهوار تعتبر نفسها متميزة عن المعدان . فهي تعتني بتربية الأبقار لكنها تحتقر العناية بتربية الجواميس .
وبإمكان المرء أن يتجول حول الكبيش لذلك سررت حينما غادرتها
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 159
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص١٥٩