من المعروف أن العديد من الأتراك والأكراد يجولون بقطعانهم في بلاد فارس . في هذا اليوم التقينا براع تركي يعزف على ناي أزرق اللون يمكن رؤيته في اللوحة 26 من الجزء الأول . كان الناي مصنوعا من القصب يزيد طوله عن القدمين وفيه خمسة ثقوب من الجهة نفسها . وبالكاد استطاع رفيق سفري الذي ذكرته آنفا أن يفهم لغة هذا الراعي مع أنه كان قد تعلم اللغة التركية في البصرة حيث تشكل العربية اللغة الأساسية والتركية لغة البلاط . وهذا امر طبيعي لأن اللغة الواحدة يمكن ان تتخذ عدة لهجات .
بعد أن أرسلت خادمي لشراء علف للحصان ، كان علي أن ألعب دور الطاهي وهذا ما جعلني ألاحظ تطيّر الأرمن الذي لم أكن قد لاحظته بعد . فعندما هممت بذبح دجاجة كنت ملتفتا باتجاه الشرق لكن سرعان ما أخبرني الأرمن انه على المسيحيين الالتفات نحو الشرق عند ذبح الدجاج كما لو أنهم يريدون الصلاة . إلا أن البعض ظن انني أدرت رأسي باتجاه مكة كي يأكل خادمي المسلم من هذه الذبيحة . ثم فطنت إلى انهم يريدون معرفة صحة ديني من الطريقة التي أقطع بها رأس الدجاجة ففضلت منذ ذلك الحين عدم الخوض في أمور كهذه .
في اليوم 18 أمضينا خمس ساعات في سهل إلى أن بلغنا كورموج وتجاوزنا خليجا من بوشهر إلى داخل البلاد حيث يصير يشبه النهر ثم ينحرف نحو الجنوب ويصب أخيرا في الخليج الفارسي ، إن جزءا كبيرا من كرمشير هو جزيرة بكل معنى الكلمة وسيصبح يوما أرضا صلبة إذا كان الخليج ضيقا وقليل العمق في أماكن عديدة كما في هذه المنطقة . إن الأرض بالقرب من هذا النهر خصبة . وتنغمر أحيانا بماء البحر لكن إذا ابتعدنا قليلا تصبح الأرض صالحة للزراعة مع أن القسم الأكبر منها غير مزروع بسبب قلة السكان .
تقع كورموج في منطقة جبلية وسط سهل خصب ، ويسكن فيها أمير ولاية شهيرة . عندما بدأ كريم خان يستولي على الولايات الواحدة تلو الآخرى في هذه المملكة ، صار يجبر رؤساء القبائل الذين أرادوا اعتبار أنفسهم أسيادا بالوراثة أو أسيادا مستقلين على المكوث في مدينة شيراز أو على الانخراط في الجيش بحجة أنه يريدهم بجانبه لاستشارتهم عندما تدعو الحاجة أو لمساندته في المعارك لإحلال الأمن في بلاد فارس . إلا أن نية الوكيل الحقيقية كانت وضع هؤلاء الأسياد تحت رقابته كي لا تتملكهم الرغبة في الانتفاض عليه . من ضمن هؤلاء الأسياد هناك أيضا سيّد كورموج . عندما كان هذا الأخير يغيب كان يوكل عمه ليحل مكانه باعتبار أن عمه رجل ثقة إلا أن أخيه الإمام جعفر سمل عيني العم واستولى على الحكم منصبا نفسه الحاكم وآملا في أن أخيه لن يعود . في هذه الأثناء أرسل كريم خان جيشا إلى هذه المنطقة ولم يكن جعفر قد اكتفى بفقىء عيني عمه بل تعدى ذلك إلى ارتكاب فظاعات أخرى ولم يكن ينتظر الخير من جيش كريم خان
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 92
مساهمون: كارستن نيبور
ص٩٢