المستعملة في كل بلد والحسنات التي يحصلون عليها والمقاهي التي يدفعون لهم فيها والأموال التي دفعوها للجمارك . وهم بغالبيتهم لا يعودون إلى بلادهم الا بعد ان يكونوا قد جمعوا المال الكافي لشراء بستان فيه شجر زيتون وتين وبعض الأراضي . حينئذ يخبرون أهلهم بالحفاوة التي استقبلهم بها الملوك والامراء الأوروبيون ويسخرون منهم لأنهم دعوهم إلى موائدهم بصفتهم امراء .
وسرعان ما يتمنى أحد اصدقائهم القيام برحلة مماثلة ليس رغبة بالدين المسيحي بل لجمع المال .
فيأخذ خارطة الطريق ويستعلم عن المدفوعات والمداخيل التي يمكن ان يحققها أمير الزيتون ( هكذا يسميهم أبناء بلدهم على سبيل السخرية ) العائد ويأخذ رسائل توصية إلى روما يكتبها له بعض البطاركة والرهبان الأوروبيون ( لقاء بعض المال أو لقاء بعض الهدايا ) ثم يشتري سيفا جميلا وخنجرا رائعا ويستأجر خادما قام بهذه الرحلة من قبل ثم يتجه نحو أهم بلدان ومدن أوروبا حيث قبض صديقه الأمير المزيّف أكثر ممّا دفع .
لقد اغدقت هذه المهنة أموالا طائلة على الامراء الموارنة الذين قاموا بالاسفار . اما الأسياد الأوروبيون فلم يرغبوا قط في معرفة الحقيقة . لقد كان الفضول يتملكهم هم وسيدات البلاط للتعرف على أمير عربي أو على أمير من جبل لبنان أو من فلسطين . ولم يكونوا يكتفون بالاستماع إلى أقواله بل ويدعونه إلى ولائمهم ومتى اشتدت الروابط معه يرسلون اليه الهدايا . لكن هذه المهنة لم تعد تدرّ الكثير من الأموال على امراء الزيتون بسبب الاعداد الكبيرة التي تفد منهم إلى أوروبا .
عرفت عددا من امراء الزيتون في أوروبا وكانوا يتذمرون من أن الملوك والامراء لم يعودوا سلسين كما في السابق إذا انهم لا يسمحون لهم بالتجول مجانا في كافة المدن والقرى كما كانوا يفعلون في السابق ويجنون الهدايا من الناس ويطلبون المال من الفلاحين الذين يدفعون لهم دون تردّد لأنهم طردوا من بلدهم على أيدي الكفار . ولأن الفلاحين يحبون رؤية الامراء العرب في ثيابهم الشرقية ( التي يزينها هؤلاء الامراء الشحاذون بالذهب والفضة على طريقة الشرقيين ) كما لو أنه حيوان غريب في السوق أو فانوس سحري . . . لكن نظرا لكثرة هؤلاء الامراء الوافدين بدأ مسؤولو القرى والفلاحون يسأمون منهم . لهذا السبب لم يعد الامراء الأوروبيون يسمحون لهم باللف والدوران بل صاروا يعطونهم هدية نقدية ويدفعون كلفة اقامتهم في النزل أحيانا ثم يرسلونهم في أسرع وقت ممكن . وهكذا فإن الامراء الموارنة هم اسرع من يقوم بأسفار . أنا شخصيا لم أحس بالشفقة على أي من هؤلاء الامراء المزعومين الذين التقيت بهم في أوروبا سوى المدعو عبود بن شديد فلقد كان ينتمي فعلا إلى إحدى الفروع العريقة من عائلة حبيش وكان يحمل رسالة توصية أعطاها ملك فرنسا في الماضي إلى والده ثم إليه . كان والده يملك قرى في منطقة الفتوح بالإضافة إلى أراض واسعة وبساتين وبيوت في غزير لكنه أصبح فقيرا بسبب الحروب الداخلية مع
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 352
مساهمون: كارستن نيبور
ص٣٥٢