الرحلة من الموصل إلى ماردين
يمكن ان نسلك من الموصل إلى ماردين طرقات عدة . ويعتبر الدرب الذي يمر عبر الجزيرة أطولها ، فضلا عن أنه جبلي وصعب ، ويتطلب الوصول إلى نصيبين عبر هذا الطريق اثني عشر يوما فقط ، ولكنها منطقة آهلة بالسكان ، كما يبدو على خارطة السير على اللوحة
XLV
واللوحة
L
. وهناك درب آخر يمرّ عبر الصحراء ، وهو أقصر من غيره ، أيّ إن المسافة الفاصلة بين الموصل وماردين هي حوالي 40 ميلا يمكن قطعها بحوالي 53 ساعة مع قافلة كبيرة . ويمرّ الدرب من الموصل إلى اورفه فحلب قرب ماردين ، وتبعد الموصل عن ماردين عبر هذه الطريق حوالي 86 فرسخا أو 64 ميلا . وكنت قد قررت السفر عبر الجزيرة للقيام بدراسات جغرافية لن تتاح لي الفرصة للقيام بها في الصحراء ، لكن بما أن الدرب بين الجزيرة ونصيبين غير آمنة ، وبما أني وجدت قافلة تستعد للتوجه إلى حلب ، قررت السفر معها عبر الصحراء . وقلما نجد على هذه الطريق قرى آهلة ، لكن لا ينبغي الاعتقاد انها صحراء قاحلة لا نرى فيها سوى الرمال . فالأرض خصبة للغاية ، تكثر فيها المراعي الرائعة ، وتطالعنا بقايا قرى ومدن تهدمت تحت حكم المسلمين ، على يد البدو والأكراد واليزيديين وعلى يد الحكام الأتراك الطغاة . ونقع هنا على العديد من الجداول ، لكنها تجري اليوم عبر السهول الجميلة من دون ان يستفاد منها ، وهي مياه عذبة في معظم الأماكن .
أتى كنت كيرس
( Quinte Curce )
على ذكر المراعي الجيدة التي نصادفها في هذه المنطقة .
ويقول في أول كتابه الخامس ان البلاد الواقعة بين دجلة والفرات خصبة للغاية ، لذا لا ينبغي ترك المواشي لترعى طويلا هناك . وخلال رحلتنا ، عادت بعض الجمال مريضة من المراعي ثم نفقت ، لكن لا أظن أنها أكثرت الأكل ، كما أن الجمالين أعطوها عند الصباح بعض الملح كي تأكل وتشرب أكثر . ويدّعي البعض أنّ الأعشاب فوق اعشاش الجراد سامة فما ان تأكلها الجمال والخيول والبغال حتى تنفق . وقد رأيت في هذا الموسم قرب تل الهوى قطعة كبيرة من الأرض مغطاة بجراد صغير « * » ، ولعل المواشي تنفق حين تبتلع بعض الحشرات السامة .
وقد يود البعض معرفة كيف يتحضر لرحلة في هذه المناطق غير الآهلة بالسكان ، وسأشير هنا باختصار إلى بعض الأمور التي يعتبرها الشرقيون ضرورية ، والتي اتبعتها انا نفسي . حملت عدّة
هامش
( * ) انظر وصف شبه الجزيرة العربية .