أما أحمد فكان يرافق والده بصفته باشا البصرة إلى القرية السابقة الذكر فقد توسع باتجاه همذان واستولى على المدينة في وقت قليل . بعد ذلك ذاع صيته فسمّي باشا على بغداد ثم استولى على البصرة وماردين مما زاده قوة ليتابع الحرب ضدّ الفرس . وفي عهده حاصر نادر شاه مدينة بغداد مدة 28 شهرا عام 1732 م . قام احمد باشا بتهدئة عدو الأتراك اللدود هذا فردّ له المدافع التي كان قد أخذها من همذان . في المرة الأولى حكم مدة 11 سنة قمرية هو ووالده .
ولشدة ما اشتدت الغيرة بالوزير الذي كان في ذلك العهد . عندما سقطت همذان طلب تعيين وزير آخر مكانه ، واعتقد الناس ان احمد لن يترك الحكم بملء إرادته . في هذه الحال كان الوزير سيتهمه بالعصيان ويطالب برأسه لكن احمد سرعان ما خضع لأوامر السلطان . في مدة سنتين أرسل السلطان باشاوات عدة لكنهم أصيبوا بالحزن على السكان وعلى العرب . كانت الفوضى تسيطر على الحكم وبما ان القسطنطينية كانت تخاف من أن يوسّع نادر باشا نفوذه في بغداد طلبت من احمد باشا ان يعود إليها فعاد هذا الأخير وراح يوسّع أراضيه . لكنه لم يرغب قط ببسط نفوذه في فارس خوفا من نادر شاه ثم أصبح قائد الجيش التركي فاستولى على كردستان وعلى أقاليم الدولة الأخرى ، ولم يبق منها إلا كركوك وبعض القرى التي أرسل إليها السلطان باشا من الدرجة الثانية .
يزعم البعض ان نادر شاه قال في احمد انه أذكى منه ومن السلطان لأنه في كل مرة يحاول السلطان ابعاده عن بغداد كان يستدرج الفرس للاستيلاء على البصرة فيعيده السلطان إلى منصبه ولا يكتفي بذلك فحسب بل ويزوّده بالمال والمدافع من القسطنطينية وبكل ما شاء لحماية الولاية .
ويقال إن السلطان ارسل مرارا ما يعرف بالقابدجي باشا إلى بغداد لقتل احمد باشا لكن هذا الأخير كان لديه عميل في القسطنطينية بالإضافة إلى علاقات وثيقة مع الوزير فكان يعلم بأمر هذا الباشا قبل وصوله بل وبأمر كل ما يدبّر ضدّه . وكان لديه أصدقاء يقومون بقتل هؤلاء القابدجي وهم على الطريق بل وقبل وصولهم إلى الحدود . إلا أن أحدهم استطاع ان يأتي بسرية تامة ولم يعرف احمد بأمره الا قبل ساعات من وصوله . حينئذ امتطى حصانه مع ضباطه الرئيسيين وعبيده بحجة رمي الجريدة . إن هذه اللعبة العسكرية التركية معروفة جدا في أوروبا . لكل فارس مساعد يركض إلى جانبه حاملا على ظهره القضبان التي يبلغ ارتفاع كل منها أربعة أقدام . عند الوصول إلى النقطة المعينة يتمجلس المسنون قرب الماء لارتشاف القهوة والتدخين بينما يتجول الشبان اثنين اثنين مطلقين العنان لخيلهم منتظرين الفرصة التي تسمح لهم بتوجيه ضربة إلى خصومهم . التقى احمد باشا بالقابدجي باشي قرب المدينة واستقبله بتهذيب فائق على أنه مبعوث رسمي من قبل السلطان .
ولأن لعبة الجريد هي لعبة شائعة في صفوف ذوي الشأن من الأتراك دعى أحمد باشا ضيفه لمشاركته إياها . لدى وصولهما إلى مكان معين من قبل احمد باشا طلب هذا الأخير من ضيفه ان يلعبا معا ولم يستطع القابدجي رفض هذا الشرف فجاء خادم ناوله قضيبا فما كان من احمد إلا
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 250
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٥٠