ويلفت الانظار في هذا المكان مسجد كبير فيه مصلى يطلق عليه الشيعة اسم مذبح الحسين ويقال إنه يقوم في المكان الذي داست فيه الخيل جسد حفيد محمد والذي دفن فيه . لكن السنة يشكّون في امكانية تحديد مكان مقتل الحسين ودفنه بهذه الدقة ، وإن كانوا لا ينكرون ان المعركة دارت في هذه المنطقة . ورأيت أن رسم هذا المسجد أخطر من رسم مشهد علي ، حتى أني لم أجرؤ على الظهور في فنائه أثناء النهار ، لكني قصدته ليلا معتمرا عمامة تركية ، يرافقي رفيق رحلتي ، وبما أنه كان مضاء بسبب احتفال كبير ، رسمت منظره عند عودتي على اللوحة
XLII
قرب الحرف ( ج
C
) مما يعطي القارئ فكرة عن بناء هذا الصرح . تكثر النوافذ في الجدار الامامي ، وهو أمر ملفت في بلاد لا تعرف الزجاج ابدا ، ولعلها هدية من بعض الفرس الذين ارسلوها من مصنع شيراز . ونجد وراء الصرح الامامي ، قبة عالية يقال إن الحسين دفن تحتها ، وتحيط بها أربع مآذن ، ونرى على مسافة قريبة منها قبة أخرى أعرض من الأولى وأقل منها ارتفاعا ، فلم أتمكن من اظهارها على الرسم من هذه الجهة . ويقوم كل هذا في ساحة كبيرة تحيط بها من الجهات الأربع منازل الشيوخ والدراويش ، ونلاحظ أمام المدخل الرئيس للمسجد وجود شمعدان كبير من النحاس كذاك الموجود في مشهد علي . ويغيب الذهب من الخارج ، ولكن يقال إن هناك أشياء ثمينة فوق قبر الحسين لكنها لا تقارن بكنوز ضريح علي .
ويشير الشيعة هنا إلى قبور العديد من أهل الحسين وأصحابه الذين قتلوا في معركة كربلاء ويعتبرونهم شهداء ، كما بنوا مسجدا كبيرا داخل المدينة تكريما لشقيق الحسين العبّاس ، وقد رووا لي الكثير عن هذا الأخير لكني لن أورد إلّا ما يلي : كان الحسين يعاني من ظمأ شديد ، فحفر العباس الأرض في مكان يسمى حما قاع
( Heima Kaa )
، سآتي على ذكره لاحقا ، لكن لم يجد ماء ، فتقدم حوالي فرسخ إلى الشمال وملأ قربته ، وفي طريق العودة ، هاجمه الأعداء ، وحاولوا الوصول إلى الماء ، وقطعوا يده فأخذ القربة بيده الأخرى فقطعوها ، عندها التقطها بأسنانه لكن أحد الأعداء صوّب سهما نحو القربة وخرقها فسالت المياه منها ، وعاد العباس من دون أن يتمكن من إرواء ظمأ أخيه .
ومن بين الأمكنة التي يقصدها الحجاج هنا ، المكان الذي وقع فيه جواد الحسين وخيّاله ، وهو خارج المدينة ، على الدرب المؤدية إلى مشهد علي ، وقد تم بناء مصلى صغير هنا . وقصّ عليّ الدليل بالتفصيل ما قاله الامام لعائلته في هذا الموقع ، وما أمر به قادته ، لكني لم أجد داع لذكر هذه الأمور هنا . ونصب الحسين خيمته للمرة الأخيرة قرب حرية قاع
( Heria Kaa )
، وقد تحوّل هذا المكان حاليا إلى حديقة كبيرة في الجهة الأخرى للمدينة . ونرى في المكان الذي لم يجد فيه العباس الماء بئرا عظيما ، امتلأ بالماء بفضل أعجوبة وذلك استنادا إلى رأي الشيعة ، الذين يعتبرونه