تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
الذي اقترح ان يمارس الهولنديون التجارة بحرية كاملة مع بلاد فارس والبصرة . كان السيد بوشمان ابن وزير هولندي وقور . حمله رسائل توصية كثيرة إلى بتافيا ، خاصة وانه شديد الذكاء . يقال إنه قبل مغادرته امستردام ، ذهب برفقة أصدقائه في السفر ، لمقابلة أحد العرافين الذي تنبأ له بأحداث مهمة . والجدير ذكره ان معظم تنبؤاته قد صدقت حتى الآن ، وكان يتوقع بالتالي ان يلقى حتفه في الأربعين من عمره ، كما قال له العراف . وكانت هذه الفكرة تقض عليه مضجعه ، وتحثه على الادمان على الخمر لينساها . غير أن تصرفه هذا اثار عداوة الكثيرين له . حتى من بين مواطنيه . وقصدت ان اذكر لكم هذا المثال ، كي احذر الناس من حبهم للكشف عن ما يخبئه لهم القدر في هذه الحياة . كان هذا الرجل مثالا للصدق والوفاء وشديد التهذيب في تعامله مع الأجانب ، ويكره للغاية التملق والمديح . فمن يقبل دعوته ، وينزل بضيافته ، يشعر بالراحة التامة كما لو كان في منزله . ولكن ان تردد في قبول خدماته ، غضب منه أشد الغضب . شاهدته مرة يطرد من قصره ضابطين فرنسيين وربان مركب انكليزي ، ترددوا في قبول دعوته للمبيت عنده . فإن طالت المجادلات أكثر مما ينبغي استدعى الحرس ليفتحوا الباب ، ويخرجوا الناس من القصر . اما الأجانب الذين لا يحسنون الهولندية ، فيحسبون ان الحرس سيزجونهم في السجن ، ويفضلون الفرار بأسرع ما يمكن ، وبينما يصرخ السيد بوشمان قائلا لهم تصبحون على خير تراهم يسرعون لفتح الباب ، ويخرجون منه بسرعة البرق . فلا يتوقفوا عن الركض حتى يصلوا إلى زورقهم . طالب كريم خان ، حاكم بلاد فارس ، الهولنديين ، بدفع جزية له ، عدة مرات وجوبه بالرفض . غير أنه في السنوات الأخيرة نسي امرهم ، خاصة وانه على خلاف مع شيوخ الساحل ، ومنهم مير مهنا والي بندريغ ، وسليمان شيخ قبيلة كعب العربية . والذي أصبح شيئا فشيئا والي جزر شط العرب كلها ، وإقليم فارسي شاسع . فحين كان يقول لهم انه سيأتي على رأس جيش كبير ، لإرغامهم على دفع الجزيات ، كانوا يجيبونه ، انهم يؤمنون بقدرته على طردهم من البلاد ، ولكن ، ان حاول ان يفعل ذلك ، اختبأوا في مراكبهم حيث لا يستطيع ان يلحق لهم . في تلك السنة ، سار كريم خان على رأس جيش كبير ، لمواجهة الشيخ سليمان ، وأرسل سرية أخرى على رأس الأمير كنيح خان للتصدي للمير مهنا . فقضى القائد ثلاثة أشهر في كرمدش . ( كما أشرت آنفا ) ، باحثا عن حلفاء يملكون أسطولا صغيرا ، فقد كان شيوخ المنطقة ، الممتدة من رأسي بودستمان إلى حرموس ، يحذون حذو مير مهنا ويرفضون دفع الجزيات . أما سكان ، بلدة كنكن المجاورة لكرمدش ، فكانوا ينامون كل ليلة على متن سفنهم ، حتى يتمكنوا من الرحيل ان فاجأهم الفرس . لم يجد كريم خان من يعتمد عليه سوى الشيخ ناصر ، والي بوشهر ، لأنه كان يستفيد كثيرا من التبادلات التجارية القائمة بين مدينته ومدينة شيراز ، ولا يستطيع معارضة الخان ،