هذه المدينة كانت تقع جنوبا على مقربة من فسطاط ، وبابل ؛ وهذا ما يحثنا على الاعتقاد أنها لم تكن واقعة غربا ، بل قرب بابل . ولقد أراد سترابون القول إن ممفيس كانت تقع قبالة بابل ؛ وهو يستشهد بهيرودوس ، الذي يؤكد أن ممفيس كانت تقع في القسم الضيق من مصر . انطلاقا من هذا المبدأ ، بحثت عن موقع المدينة في الجهة الجنوبية ، خلافا للدكتور شو ، رغم أنه يدّعي أن الجيزة واقعة في القسم الضيق ؛ لأنني اكتشفت أن هذا المكان يقع جنوبا ، في أرض مكشوفة ، محاطة بهضاب ، بنيت عليها الأهرام ، التي تشكل القسم الأكثر ضيقا في مصر . وإن صحّ القول إن الأهرام واقعة في جوار ممفيس ، فذلك يعني أنها أخذت عنها لعبتها وبعبارة أخرى ، أظن أن الكتّاب الذين ذكرهم الدكتور شو ، لا يقدمون لنا البراهين اللازمة ، للقول إن مدينة ممفيس كانت واقعة في المكان نفسه الذي نرى فيه اليوم الجيزة ، بل يحاولون إقامة الدليل على أنها كانت تقع بين الأهرام وسقاره . ولكن المدهش في الأمر هو أن هذا العالم الكبير لم يلحظ في كتاب « جغرافية السودان » ، ولا في كتاب « وصف الرحلة » ، اللذين يذكرهما في الصفحة 306 ، للتحقق من موقع مدينة هيليوبوليس ، أن موقع مدينة ممفيس ، محدد فيهما ، كما أنه لم يحاول مقارنة وجهة نظره بشهادة مؤلفي هذين الكتابين .
ويبدو أن اختلاف وجهات النظر بين شو وبوكوك ، حول موقع مدينة ممفيس ، أثار خلافا بين العلماء الإنكليز . وإليكم ما يقوله مؤلفو « التاريخ العالمي الحديث » ، الجزء الأول ، ( ص 328 ) : « كانت مدينة ممفيس تقع في موقع الجيزة الحالي نفسه ؛ وهذا ما يؤكده لنا الدكتور شو ، الذي تعتبر ملاحظاته الجغرافية حول مصر وشبه الجزيرة العربية ، جديرة بالقراءة أكثر من سواها ، نظرا لصحتها ودقتها ، واستنادا إلى أبحاث علمية سليمة ، وانتقادات سوية . . . وبعبارة أخرى سيصمد كتابه في وجه الحملات الموجهة ضده ، وبعد أن يدخل كل من حمل قلمه وحاول تقليده أو الحط من قدره طي النسيان ، أو يواجه بازدراء ، جدير به الجدارة كلها » .
وبما أني كنت أجهل السبب الذي حثّ العلماء الإنكليز على إصدار هذا الحكم التعسفي بحق الرحالة كافة ، واعتبار الدكتور شو زعيما لهم ، فلن أستطيع أن أقدم تفسيرا ملائما لهذا القرار . ولكنني أقرّ بأننا لا نجد وصفا للرحلات خاليا من العيوب ، أو رحالة معفى من الأحكام المسبقة ؛ لذلك من الأفضل عدم الدفاع عن آرائنا بعناد . ولعل يهود وأقباط مصر يستطيعون تحديد مواقع مدن هذه البلاد القديمة ، لكن الأوروبيين لا يسعون أبدا لتوطيد صداقتهم بهؤلاء الأشخاص ويفضلون استشارة سواهم ، في حال لم يعطهم ، أول شخص يصادفونه ، أجوبة مرضية . . ولم أحاول أبدا الاستفادة من هذه الفرصة ؛ ولكنني أنصح الرحالة اللاحقين ، باستغلال هذا الأمر .
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 89
مساهمون: كارستن نيبور
ص٨٩