شمالا ، لأن الرياح الجنوبية كانت تعيق عملية الإرساء . وبعد عناء وجهد ، ألقينا المرساة في 11 أيلول / سبتمبر في مرفأ بومباي ، ودخلنا إلى المدينة ، صباح اليوم التالي .
علم القراء أن ملك سردينيا ، أرسل إلى البلدان الشرقية ، مجموعة من العلماء ، أثاروا خلافات حادة عند وصولهم إلى الإسكندرية في مصر ، ولم يسمح إلا للسيد دوناتي ، الذي كان يترأس المجموعة ، بمتابعة الرحلة بينما عاد الآخرون إلى أوروبا . ويبدو أن أحدا لم يسمع شيئا عن السيد دوناتي ، حتى العام 1772 ، لذلك وجدت نفسي مجبرا على ذكر الموضوع . فالذين أتيحت لهم فرصة التعرف على هذا العالم ، في الشرق ، يثنون على مهارته في التاريخ وعلى فعاليته في الأبحاث الأثرية ، وأخبرني القنصل فيرو في القاهرة القصة التالية : وصل السيد دوناتي إلى القاهرة ، آتيا من الإسكندرية ؛ وعبر بعدها النيل ليصل إلى مصر العليا . وفي أحد الأيام ، غادر سفينته ليرسم بعض الآثار ، فاعترض فارسان عربيان طريقه ؛ فتوسل إليه خدمه وبعض التجار المرافقين له ، أن يعود أدراجه ، حتى لا يقع ضحية هذين اللصين ؛ غير أنه تابع الرسم ، بينما عاد رفاقه إلى السفينة . انقض الفارسان على السيد دوناتي ، وحاولا ضربه برماحهما ؛ ولكنه كان مسترسلا للغاية في الرسم إلى حد أنه لم يعرهما اهتماما ، ولم تظهر عليه بوادر الخوف منهما . فتعجب الفارسان من تصرفات هذا الرجل ؛ فترجلا عن جواديهما ، وجلسا بقربه ، إلى أن أنهى الرسم ، وتركاه بعدها يعود سليما معافى إلى سفينته . ولعل الناس غالوا في رواية هذه القصة ، غير أن السيد دوناتي تابع أبحاثه بثقة ونشاط ؛ وعلى كل رحالة يبغي الاستفادة من رحلة مماثلة أن يحذو حذوه .
قبل ستة أشهر من وصولنا إلى القاهرة قصد السيد دوناتي دمشق ، ومنها إلى بغداد وإلى البصرة برفقة خادم إيطالي ، وشاب من القاهرة يجيد اللهجات الشرقية كلها . وبعد وصوله إلى البصرة ، أبحر برفقة أربعة رهبان كرمليين إلى مسقط ، على متن زورق إنقاذ صغير ، علما أنه لا تكثر في ذلك الفصل السفن المغادرة إلى الهند . وبعد أن ملّ من مسقط ، أبحر ثانية برفقة الرهبان المذكورين آنفا ، باتجاه مرفأ مانغلور ، على ساحل مالابار . غير أنه مرض في الطريق ، وأسلم الروح بعد ثلاثة أيام ، قبل أن يبلغ مركبه المرفأ المذكور . ترك دوناتي مبلغا من المال لترجمانه ، حتى يتمكن من العودة إلى مصر ، ولخادمه ، ليعود إلى إيطاليا ؛ فقصد بومباي ، ومنها إلى مسقط ، قبل بضعة أشهر من وصولي إلى المدينة . قبل لي في البصرة إن تاجرا إنكليزيا اصطحب الترجمان معه إلى حلب . أما الخادم الإيطالي فخسر جزءا كبيرا من أمواله في بومباي ، واعتنق الإسلام في مسقط .
يبدو أن السيد دوناتي اتخذ الإجراءات اللازمة ، ليبلغ بلاده بآخر أخباره ، ويرسل إلى إيطاليا أوراقه وأمواله مع الرهبان الأربعة . ولقد قابلت في بومباي أحد الرهبان الكرمليين ، الذي أكّد لي أنه سلّم أغراض السيد دوناتي إلى السيد فيربير . مما يشير إلى أنهم لم يستلموا شيئا في تورين ، كما وأنهم لم يعرفوا شيئا
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 356
مساهمون: كارستن نيبور
ص٣٥٦