تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
لأن حضرموت وسبأ ومدنا أخرى وبلادا أخذت أسماءها من أولاد قحطان ، لا تقع بين يريم وموسى ، بل بين هذا المرسى وميزا . ( راجعوا وصف شبه الجزيرة العربية ) . وكان الطقس في شرق جبل سمراء مغايرا لطقس غربه ، ففي تعز وآب والقرى المجاورة لمنسل ، تساقطت الأمطار لأيام عدة في فترات بعد الظهر ، ورأينا أراض خصبة صالحة للزراعة ، وباختصار يكثر في المنطقة الزرع ويطغى اللون الأخضر على الطبيعة . لكن ، لم تسقط الأمطار في يريم منذ ثلاثة أشهر ، وإن سمعنا الرعد في البعيد كل مساء تقريبا . ولقد تكاثر الجراد فالتهم كافة الثمار ، لذا قرر أهالي يريم التوجه في 8 تموز / يوليو بعد الظهر إلى مكان تقام فيه الصلاة جماعة خارج المدينة ، للاستسقاء . وكانت المسيرة تتألف من شيوخ حقيري الملابس كما ينبغي في يوم تضرّع كهذا ، يرأسها شيخان جليلان يحمل كل منهما على رأسه علبة مفتوحة فيها كتب ، ويتبعهما الشيوخ الآخرون والناس ، وهم يغنون ويرددون صلوات قصيرة لم أفهم منها سوى « لا إله إلا الله » . تمّ كل ذلك في جو من التقوى والورع ، وبدا أن هذه الشعائر التقية أعجبت القدير ، فما إن عادت المسيرة إلى المدينة ، حتى هبّت عاصفة ، وتساقط البرد ثم المطر عند المساء . وفي 9 تموز / يوليو ، أعاد سكان يريم صلواتهم خارج المدينة ، لكنها لم تكن فعّالة كاليوم السابق لتجلب المطر . وبعد أيام ، تساقطت الأمطار ، إما لأن الله استجاب لصلاة المسلمين المؤمنين وإما لأن موسم الأمطار قد حلّ ، ولا سيما وأن هذا موعدها المعتاد كما هي الحال في غرب جبل سمراء وفي بلاد مدارية أخرى . وكان الجراد يباع في الأسواق كلها بأرخص الأسعار ، لكني لم أر يوما هذا العدد الذي شاهدته في سهل جبل سمراء القاحل وفي يريم ، حيث كان بالامكان التقاطها باليد . ورأينا عربيا يملأ كيسا من الجراد ليجففها ويحفظها كمؤونة للشتاء . وحين تتساقط الأمطار بتقطع ولساعات فقط ، إلى الغرب من الجبل ، تهاجم جحافل الجراد من الشرق حتى أن فلاحي منسل يضطرون إلى طردها من حقولهم كي لا تقضي كليا على نتاجهم ، فتراهم يتراكضون يمنة ويسرة ، حاملين عصيا طويلة ربط بأعلاها قطعة قماش ، ويطلقون صيحات عالية . ولا تنفع هذه الوسيلة في يريم التي اعتاد عليها الجراد وكأنها موطنه لقلة ما تمطر . وشاهدنا في يريم عريسا جديدا ، يتوجه إلى الحمّام ، ويتقدم المسيرة مجموعة من الشباب تمرح وترقص على وقع الطبول ، تليها مجموعة كبيرة من الناس من أعمار مختلفة ، يلهو بعضهم بإطلاق العيارات النارية ، ويختمها أخيرا العريس وبعض أصدقائه . وتعود الجموع عند المساء ببطء . فنرى عند الغسق عددا من المشاعل التي تشبه مشاعلنا إلى حدّ ما وإن كانت في حالة سيئة ، لذا أعجبتني أكثر من تلك التي تستخدم في مصر والتي ذكرتها سابقا . وفي يوم آخر ، رأينا مصارعين يعرضان قدراتهما أمام بعض الناس في الشارع ، وكانا يرتديان القليل من الثياب ، ويضعان على وجهيهما قناعا كبيرا ( وهو الأول الذي رأيته في الشرق ) ، مع لحية طويلة وشعر