كان رفاق سفري في الجبال حيث ينمو شجر البن . فتبعتهم في اليوم ذاته سالكا طريق القزمة
( Kusma )
ووصلت إليهم بعد ساعتين بالقرب من قرية بو القوف
( Bulgo ? fe )
التي تعيش من البن . إنه لا يمكن الوصول إلى هذا الجبل إلا مشيا على القدمين ومع أن الطريق شديد الوعورة إلا أنني أحببته ، كيف لا وأنا الذي قضيت رحلتي بين حقول تهامة القاحلة ، والآن وجدت نفسي محاطا هنا بالبساتين وأشجار البن من كل مكان .
لم أر بالقرب من القحمة إلا تلة واحدة مغطاة بالصخور المخمسة الزوايا لكن كانت الجبال بغالبيتها هنا على هذا الشكل . إن منظر هذه الصخور جميل جدا خاصة في الأماكن التي تسيل منها المياه من رأس الصخور على شكل شلالات مسنودة إلى أعمدة مستقيمة . ومن السهل انتزاع هذه الأحجار عن الصخور ويمكن استعمالها كدرجات على الطريق أو كجدران لتثبيت بساتين البن عند منحدرات الجبال .
إن شجرة البن معروفة في أوروبا . ولقد رأيتها مزهرة هنا قرب بو القوف تنبعث منها رائحة زكية . تقع البساتين الواحد فوق الآخر وبعضها لا يتلقى الماء إلا من الأمطار بينما هناك برك في البساتين العليا تجر منها المياه العذبة إلى كافة البساتين الأخرى . ولشدة ما تكون الأشجار مرصوصة الواحدة قرب الأخرى يصعب على أشعة الشمس اختراقها . قيل لي إن الأشجار التي تسقى من غير مياه الأمطار لا تثمر إلا مرتين في السنة وإن ثمارها لا تنضج إلا مرة واحدة وإن الثمار التي لا تنضج تكون أقل جودة من الناضجة .
وبما أن الحجارة لا تنقص هنا ، فإن المنازل كلها مصنوعة منها . ومع أنها سيئة البناء بالمقارنة مع منازل أوروبا إلا أن منظرها جميل من بعيد وخاصة تلك التي تقع على أعلى القمم والجبال والتي تحيط بها الحدائق والبساتين المزروعة شجرا والتي تكون على شكل جلول . ولقد كنا في منطقة أعلى من تهامة لكن في منتصف الطريق المؤدية إلى القزمة يقع منزل صاحب دولة هذا الأقليم على رأس أعلى جبل . إن المنظر جميل من كل النواحي . وفي مكان آخر حيث منزل مشيد خلف صخرة منحرفة ، رأينا منظرا رائعا رسمه السيد بورنفايند ( راجع اللوحة
( LXIII
.
قضينا الليل في بو القوف حيث جاء عدد كبير من عرب القرية لزيارتنا . وبعد رحيلهم ، جاءت مضيفتنا مصحوبة ببعض النساء والفتيات الراغبات برؤية أوروبيين . لم يظهر أي ارتباك عليهن لأنهن بعكس مسلمات المدينة لم يكن يرتدين نقابا على وجههن وكن يتكلمن معنا بحرية تامة . رسم السيد بورنفايند لباس قروية كانت متجهة لجلب الماء ، يمكن رؤيته في اللوحة
( LXIV )
. كان قميصها وسروالها من نسيج الكتان المقلم بالأبيض والأزرق . وكان القميص مزينا بعدة ألوان مطرزة بالإبرة حول العنق وأمام الركبتين والسروال من الأسفل حول الرجلين . وبما أن مناخ الجبال أقل حرارة من تهامة ، وجدت بشرة الناس فيه أكثر بياضا .