وتفتقر الحكومة دوما للمال أو على الأصح ، بما أن المسلمين لا يحسنون استخدام الأموال العامة ، لا يبقى منها إلا القليل لمصاريف الدولة ، وغالبا ما يضطر تجار الهند ومصر إلى دفع مبالغ مالية معينة سلفا لجمارك جدة . على أن تحتسب لهم في رحلتهم القادمة . وطلب الأمر نفسه من الإنكليز الذين يترددون على هذا المرفأ ، لكنهم رفضوا حتى اليوم دفع المال سلفا للجمارك أو لغيرها ، وقد أوردت مثلا على ذلك في وصفي لشبه الجزيرة العربية .
ولقد كنت قد أشرت سابقا إلى أن المركب الذي غادرنا السويس على متنه كان يعجّ بالتجّار الذين يدّعون أنهم انكشاريون . إن تجار القاهرة والمدن التركية الأخرى يلتحقون بالجيش كانكشاريين ، للتأكد من أن الحكومة لن تستولي على بضائعهم أو لن تعاقبهم بطريقة ما ، لأن من يلتحق كانكشاري وإن كان لا يقبض أجرا ولا يخدم في مكان ما ، وإنما يمارس مهنة مدنية ، يتمتع بامتيازات عدة مرتبطة بهذا الفوج . ولا يخضع للمحكمة المدنية إنما للفوج الذي يحميه أو يعاقبه . يقال إن الانكشاري الذي يسافر في البلاد الخاضعة للسلطان ، لا يدفع رسما جمركيا على صندوق وقفتين وهذا ما يعود بالفائدة عليه كتاجر ، وقد عرفت تجارا ، وربابنة وبحارة من الانكشاريين ويرتدون الزيّ الخاص بهم ، لكنهم لا يتمتعون بالميزات نفسها التي يتمتع بها رعايا السلطان ، والتحقوا على الأرجح بهذا الفوج ليكتسبوا مكانة بين الأتراك في جدة والبصرة ، وليحصلوا على مساعدة رفاقهم عند الحاجة . وحين كنا في جدة ، حاول التجار الانكشاريون عصيان الكخيا والوزير علنا ، لأنهما ، برأيهم ، يأمران بتفتيش متاعهم تفتيشا دقيقا ، مما دفع الباشا إلى إرسال عدد كبير من الجند لمرافقة الكخيا إلى الجمارك يوميا ، كما حضر الوزير ومعه عدد من جند الشريف ، فاضطر الانكشاريون إلى الانصياع حتى انتهاء عملية تفتيش أغراضهم . وبعد رحيلنا بمدة قصيرة ، اجتمع الانكشاريون مجددا ، وتسلحوا ، لكن ما إن علم الباشا بالأمر حتى أمر بتصويب المدافع نحو المنزل الذي يجتمع فيه زعماء هذه الحركة ، فتفرق الجميع من دون القيام بأية محاولة أخرى .
ولا تسك أية عملة في الحجاز ، وتستعمل في البلاد النقود المستخدمة في القسطنطينية أو في القاهرة خصوصا ، كالقطع النقدية الذهبية التي تأتي من البندقية ، وتتداول في القاهرة والقسطنطينية أو الدرهم ، ونصف الدرهم ، وربع الدرهم الألماني ، أو البريزة في القاهرة والقسطنطينية والتي تسمّى فدّا
( Fadda )
.
لكن يتمّ العدّ في جدة بعملة وهمية وهي القرش والديواني
( Diw ni )
: فيساوي الدرهم 92 بريزا في جدة في حين يساوي 85 في القاهرة ، وتعادل أربع برايز من القاهرة 5 ديوانيات . كما يعادل 40 ديواني قرشا في جدة ، وبالتالي يساوي الدرهم الواحد قرشين و 35 ديواني . ويعادل الديواني 20 جديدا ، وهي قطع صغيرة من النحاس لا تحمل أية كتابات أو أية علامة . ويقدّر التجار الإنكليز أن 250 قرشا من جدة تعادل 100 درهم أسباني .