التي تصدّر جزئيا ، فتزوّدها مصر بالجوخ الفرنسي ، وبالورق ، وبالقصدير ، وبالرصاص ، وبالحديد ، وبصفائح الفولاذ ، وبالزئبق ، وبالإبر ، وبالسيوف ، وبالسكاكين ، وبالزجاجيات الملوّنة والأساور التي تستخدمها النساء من عامة الشعب للزينة . وينتقل سنويا من جدة إلى اليمن والهند عدد كبير من دوقيات البندقية ، والنقود الألمانية . كما تموّن جدة القاهرة بمنتجات اليمن من بن وأوراق حنة فقط ، فيما تموّنها الهند بالشباك الناعمة والأقمشة الثمينة ، والأحجار الكريمة ، واللؤلؤ ، والعطور المختلفة ، والبهارات وغيرها من البضائع القيّمة . وينبغي دفع الرسوم لجدة على هذه البضائع إن جاءت من مصر ، أو اليمن أو الهند ، وتبلغ هذه الرسوم عشرة بالمئة من قيمتها التي تقوم الجمارك بتحديدها فيضطر التجّار أحيانا إلى دفع 12 إلى 15 بالمئة . ويتمتع الإنكليز - وهم الوحيدون بين الأمم الأوروبية الذين يقصدون جدة اليوم - بالأفضلية على التجار الهنود المسلمين ، وعلى رعايا السلطان ، فلا يدفعون سوى 8 % من قيمة البضاعة ، ولا يدفعونها نقدا بل يستعيضون عن المال بتقديم البضائع . أما بالنسبة لتلك التي تباع بالوزن ، كالسكر ، والبهارات ، إلخ فيضطرون إلى دفع 8 % نقدا استنادا إلى القيمة التي تحددها الجمارك .
ويعتقد ماييه
( Maillet )
أن قيام تجارة في الهند ، تمرّ عبر مصر والخليج العربي تفيد الفرنسيين ، لكن إن اضطروا إلى دفع الرسوم ، يخشى ألا يربحوا الكثير من المال ، ولا نضمن أن يسمح لهم بعبور مرفأ جدّة .
ومنذ سنوات قليلة ، لم يتمكن مركب من السراة
( Sur t )
، دفعته الرياح الجنوبية بقوة نحو الشمال ، من الوصول إلى هذا المرفأ ، فتوجه إلى السويس ومنها عاد إلى الهند . وفي السنة التالية ، أرغم التجار على دفع الرسوم عن هذه الشحنة ، وزجّ القبطان ، وهو مسلم من الهند ، في السجن حتى دفعت كفالته . ولم يمنح أحد الأوروبيين على الأرجح إذنا بالتوجه من جدة إلى السويس ، وسمعت أن تجارا من جدة عرضوا حمولة ما على قبطان إنكليزي - ولا أشك أن التجار المسلمين يفضلون استخدام السفن الأوروبية - لكن حاول ربابنة القاهرة ، وهم من كبار التجار ، وضع العراقيل في طريقهم كي لا يفقدوا أرباحهم ، ويمكنهم وبسهولة أن يسببوا مشاكل عدة للربابنة الأوروبيين الذين يقصدون السويس . وقد أمضى تاجر إنكليزي سنوات عدة في هذا العمل ، لكن هذه الأمة تستفيد أكثر حاليا من عودة رعاياها وسفنها سنويا .
ويتقاسم باشا المدينة وشريف مكة مردود جمارك جدة ، لهذا ، يبقى كخيا الباشا ومندوب الشريف ، الذي يحمل لقب وزير ، يوميا في الجمارك عند وصول السفن وقبيل رحيلها . ولا يبدو أن كخيا جدة خاضع للباشا فقط ، كما هو الحال في المقاطعات التركية الأخرى ، إذ يبقى في منصبه لسنوات عدة في حين يتمّ تغيير الباشا تقريبا سنويا ، علما أن الباشا ، حين كنا في جدة ، أرسل موظفا آخر إلى الجمارك لأن الكخيا رفض تفتيش البضائع بالصرامة التي يطلبها ، لكنه استمر في تأدية المهام الأخرى المسندة إليه .
ويخضع رعايا الشريف ، المقيمين في جدة ، لسلطة الوزير الذي ينبغي أن يكون من إحدى العائلات التي يحقّ لها المطالبة بمهام السيادة في مكة أو بلقب الشريف . وإن استدعي الشريف ، أي المولود في إحدى عائلات الحجاز الأولى النبيلة ، للمثول أمام القضاء ، يرفض المثول أمام قاض أدنى منه من حيث المستوى الاجتماعي .