ركبت صباح 11 أيلول / سبتمبر ، والسيد دو هافن الجمال ، وانطلقنا برفقة العرب المزودين بالأسلحة ، باتجاه جبل المقطم المزعوم ، وكان هذا الجبل شاهقا ووعرا للغاية حتى أننا اضطررنا إلى ترك الجمال عند سفحه ؛ وبعد أن سرنا ساعة ونصف تقريبا بلغنا القمة ، فخلنا أننا سنعثر على النقوش محفورة في الصخر خاصة وأننا بذلنا عناء كبيرا للوصول إلى تلك البقعة . وكم كانت دهشتنا عظيمة حين رأينا مقبرة مصرية في وسط الصحراء وعلى قمة جبل وعر ؛ وأقول إنها مقبرة مصرية لأن الأوروبيين يطلقون عليها هذه التسمية ، رغم أنهم لم يشاهدوا شيئا مماثلا في مصر ، حيث دفن الزمن معظم الآثار القديمة في الرمل .
وشاهدنا في هذه البقعة عددا كبيرا من الحجارة التي يبلغ طولها خمس أو سبع أقدام وعرضها حوالي القدمين ؛ وهي مغطاة برسوم هيروغليفية مصرية ؛ وهذا الأمر جعلني أؤكد أنها حجارة ضريح . ونستطيع أن نرى في اللوحة
( XLIV )
، صورة صرح قديم ، لم يتبق منه إلا أسواره ؛ ويبدو أن داخله أكثر عمقا من الأرض المحيطة به . يحوي هذا الصرح عددا من الحجارة المغطاة بالصور الهيروغليفية . ونرى في الجهة العريضة منه غرفة صغيرة مدعومة بركيزة مربعة مغطاة أيضا بالرسوم الهيروغليفية . ونجد أيضا في هذا الصرح تماثيل نصفية تتلاءم مع أذواق المصريين القدامى ، ونصبا قديمة تدل على فن الهندسة المعمارية ، مشابهة لتلك التي رسمها نوردن في مصر العليا ، وعمودا مربعا له أربعة تيجان . واللافت للنظر أن هذه الآثار كلها من الحجارة الرقيقة الصلبة علما أن النصب المصرية القديمة المغطاة بالرسوم الهيروغليفية مصنوعة كلها من الغرانيت الصلب .
ولقد سمح لنا العرب بفحص المكان كله وتدوين الملاحظات اللازمة . لكنني أردت نقل بعض هذه النقوش ، حتى أتمكن من إثبات انتمائها للهيروغليفية المصرية عند عودتي إلى أوروبا واتضح أن العرب كانوا ينتظرون هذه اللحظة ، إذ أسرعوا جميعا لمنعي من نقل أي شيء من دون موافقة شيخ هذا الجبل .
ولما كان الغفراء يعلمون أننا لم نأت لمشاهدة النقوش فحسب ، بل نرغب بنقلها أيضا ، اتفقوا على العشاء أن يعطوا أحد أصدقائهم الشيوخ ، لقب شيخ جبل المقطم ، حتى يقبض منا مبلغا من المال . وعند وصولنا إلى قمة الجبل ، وجدناه في انتظارنا ولم يمنعنا من تفحص كل شيء بدقة . ولكنه قال إنه لن يسمح لنا بنقل النقوش عن الحجارة إلا مقابل مئة ريال ، مدّعيا أنه لا يستطيع الموافقة على أن يضع الأجانب أيديهم على الكنوز المطمورة تحت التراب . ويظن هؤلاء العرب أن الأوروبيين والمغتربين أو عرب الغرب ، قادرون على اكتشاف الكنوز المخبأة تحت الأرض ، وعلى نقلها إلى بلادهم ، للحصول على النقوش . ولكنني أعتقد أنهم يختلقون هذه الأعذار للحصول على المال ؛ كما وأن العربي لن يتوانى عن المطالبة بحقه في الكنوز التي لا يأمل يوما الحصول على جزء بسيط منها . وفي سبيل بلوغ هدفنا علينا إتقان لغتهم ، وفهم طريقة تفكيرهم ، ومعاملتهم بطريقة حسنة ؛ وبعد أن يقروا بالكنوز المخبأة نحاول إقناعهم بخطئهم . اقترحوا علي عدة عروض حتى أعد شيخ الجبل بإعطائه ربع الكنز الذي سأعثر عليه وربعه الآخر للغفراء ، في حال رفضت دفع مئة ريال للشيخ أو احتفظت بالكنز كله لنفسي . وبذلت قصارى جهدي لإعطائهم ردا