ستجوب البلاد في أمان . وفي اليوم نفسه قصدنا مخيم الشيخ الذي حط رحاله قرب قرية سرياغوس ، ليبيت فيها أهل بيته وخدامه . وكنا نرى قصر القاهرة في الجهة الجنوبية - الغربية وبعض البقايا في الجهة الشمالية على بعد ساعتين . يسمي العرب هذه البقايا تل اليهود أو تربة اليهود . لم نصادف أي قافلة في طريقنا على عكس ما كنا نتوقعه ؛ ولكن العرب وكل من استأجر جمالا نقلوا حمولهم إلى ديارهم ، وتفرقوا كل في طريقه .
وفي صباح الثامن والعشرين ، لم نكن قد تأكدنا بعد إن كانت القافلة ستجتمع اليوم أم لا ولكن عند اقتراب بعد الظهر ، بدأنا نشاهد بعض الجماعات ، فبدأنا الاستعداد للرحيل . انطلقنا من سيرياغوس ، ومررنا بقرية حانقي ، المجاورة لبركة الحاج وعند سلوكنا طريق السويس ، كنا نتقدم شرقا مع انحراف بسيط نحو الجنوب . ولم نشاهد في الطريق منازل أو ينابيع مياه ، أو حتى مساحات خضراء . كان الطريق معبدا ومعظم الدروب الضيقة ممهدة بواسطة الجمال التي تنتقل على حريتها ، حتى وإن كانت محملة بالأغراض . شاهدنا على بعد فرسخين و 10 دقائق من بركة الحاج ، أرضا منبسطة وتسمى المصطبة ؛ يستقبل فيها أسياد القاهرة أمير الحاج عند عودته من مكة . ويسمي العرب المكان الذي يبعد 5 فرسخات عن البقعة التي حططنا فيها ، فرن البهاد
( El Furn Beh d )
.
غالبا ما تكون القافلة الأخيرة التي تنطلق قبل البواخر إلى السويس كبيرة جدا . ولما كنا نريد مغادرة القاهرة بأقصى سرعة ، كانت قافلتنا تتألف من 400 جمل ، محملة كلها بالقمح ، ومعدات بناء السفن ، والتي تصنع في السويس ؛ وكان يلزمنا جملان أو 4 لحمل المراسي . لم أشاهد في مصر أو شبه الجزيرة العربية عربات نقل أبدا . يترأس القافلات الكبرى المسافرة إلى مكة ، أو التي تنتقل بين البصرة وحلب ، أو تجتاز صحارى أخرى شاسعة ، وبالتالي أراضي العرب المستقلين ، كروان باشا أو سائق يدفع الضرائب اللازمة ، ليجمعها لاحقا من الرحالة . ولكن القوافل الأخرى التي تقوم برحلات صغيرة لا يعين على رأسها شخص مماثل . يقتدي المسافرون بكبار التجار أو بالعرب الذين يتحملون كافة الأعباء . فحين يحط هؤلاء رحالهم ، يحذو الجميع حذوهم ؛ وحين يستعدون للرحيل يسارع المسافرون إلى حزم أمتعتهم دون الإعلان عن ساعة الانطلاق ؛ فلا أحد يحب البقاء وحيدا علما أنه قد يتعذر عليه اللحاق بالقافلة . لم نكن نخشى أبدا أن تتعرض قافلتنا للاعتداء ؛ ولكن بعض الرحالة الذين يسبقون سواهم ، أو يتأخرون عن القافلة يخاطرون بالتعرض للسلب ؛ لهذا السبب ، حرصنا على البقاء في وسط القافلة . أما في الأماكن الآمنة ، فكنت أسبق التجار للاستراحة قرب أحد الينابيع وتناول الطعام . لم يسافر في قافلتنا إلا عدد قليل من الجمالين ، الذين كانوا يحملون بنادق دون أسياخ أو قوارير فارغة أو سيوف صدئة . أما الشيوخ الذين يملك معظمهم جمال القافلة فركبوا وحيد السنام ، مزودين بالحراب والسيوف والبنادق . ولكننا لم نحاول الاتكال عليهم ؛ لأن العربي لا يخاطر بحياته في سبيل إنقاذ أموال التجار الأتراك . والجدير ذكره أن معظم التجار يتسلحون جيدا في سبيل الدفاع بيأس عن بضائعهم .