وتغطي الرمال أبا الهول جزئيا ، وتبين لي أن ارتفاع الذقن يبلغ 10 أقدام و 6 بوصات ، أما طول الرأس فسبعة عشر قدما ، أيّ إن ارتفاع الرأس والرقبة فوق الرمال يبلغ 27 قدما و 6 بوصات .
وقد بني الهرمان الكبيران من نوعية حجارة الصخرة التي يقومان عليها نفسها ، وهي أحجار كلسية ليّنة ، إذن ، لا بد أنهم جمعوا الحجارة من المحيط ومن حول تمثال أبي الهول ، لأن هذا الأخير يبدو وكأنه حفر في الصخر ، أما ذاك الذي يسند الهرم الثاني فهو مسطّح ويشكل جزءا لا يتجزأ من هذا النصب .
وبالغ بعض المسافرين في وصف الأعمال الضخمة والكلفة العظيمة لهذه الكتل أو الجبال الحجرية ، وأشاروا إلى أنها كانت مغطاة بالرخام ، ويؤكد بول لوكا
( Paul Lucas )
أنها كانت مطلية بالإسمنت ، لكن هذه الأقوال عارية عن الصحة ، على الأقل بالنسبة للهرم الثاني . ونرى في أعلى هذا الصرح ، حول قمته ، جزءا كبيرا من الرأس « * » : وبالرغم من أنه يبدو متماسكا من بعيد ، ومن حجارة صلبة ، لا سيّما حين يقع عليه ضوء الشمس ، فهو مبني من الحجر الكلسي اللين نفسه الذي بني منه الهرم . ولدراسة هذا الأمر ، تسلقت الهرم حتى قمته ، وجلبت قطعة منه ، وأعتقد أنه ليس من أوروبي تكبّد هذا العناء ، إذ لا يتسلق المسافرون إلّا الهرم الأول ولا يسترعي الثاني انتباههم لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى القمة .
ويبدو أن عمل مهندس هذا الصرح الأخير قضي بقصّ الحجارة الناتئة ، وتسوية الجهات الأربع من القمة وحتى القاعدة ، وهكذا يتصدى للعوامل الطبيعية وللزمان أكثر مما لو كانت الأحجار متدرجة . ومع ذلك ، وقع قسم كبير من سقف هذا الهرم ، وحملته الرياح ، ونستنتج من ذلك أن الأهرام نفسها ستضمحل يوما تحت تأثير عوامل الزمن ، لكن ينبغي انتظار آلاف السنين . ولماذا يتكبد المصريون عناء إحضار الحجارة من قمة الأهرام الكبيرة ، في حين أنهم يستطيعون الحصول عليها بسهولة أكبر من جبل المقطّم أو من التلة التي تقوم عليها الأهرامات ؟ لم أجد دليلا على وجود رأس في أعلى الهرم الأول ، ولعل الأمر يعود لقدمه أو لأنه مبني من أحجار ليّنة وبالتالي معرّض للهواء أكثر من الجزء الأعلى للهرم الثاني . ولا أظن أن بانيها يسعى إلى أن يتسلق الناس الهرم الأول ، لأن ارتفاع درجاته غير متساوية كما في الهرم الثاني ، والذي يحاول صعوده من أمكنة عدة ، لن يجد عدد الدرجات نفسه .
ونجد قرب الهرم الثالث ، المبني من حجارة كلسية ، عددا من أحجار الغرانيت ، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه كان مغطى فيما مضى بهذه الحجارة ، كما يؤكد المؤرخون القدامى . لكني لم أكتشف ، في الوقت القليل الذي تبقى لي لدراسة هذا الهرم ، ما يؤكد أن الطبقة الخارجية كانت من الغرانيت . وتجدر الإشارة إلى أني وجدت بين الحجارة الكلسية أحجارا كبيرا من الغرانيت غير مقطعة مواربة كأحجار سقف الهرم الثاني ، لكني أجهل إذا ما كانت تحمل كتابات مصرية قديمة . ولم أر هذه الحجارة عند دراستي للهرمين الكبيرين ، كما لم أتوقع ذلك ، لأن الحجارة الخارجية المغروسة في الأرض لم تعد موجودة .
هامش
( * ) رحلة إلى مصر ، بقلم نوردن ، ص 42 - 45 .