نقول إن موسيقيي الشرق ومغنيه ليسوا ماهرين ولقد سمعت بعض الشيوخ يرتل القرآن وكنت أعجب بترتيلهم فهم لا يصرخون أبدا في محاولة رفع صوتهم . كما وحضرت بعض الحفلات الموسيقية التركية في بغداد والقسطنطينية ، ومع أنها لا تشبه حفلاتنا إلا أني أكيد أنها ستعجب أي أورويي لا يطلب المستحيل . إن أكثر ما يسمعه المسافر الأورويي في البلدان المشرقية هو الموسيقى السيئة التي تعزف في الشوارع . قبيل سفرنا من القاهرة إلى دمياط ، غنّى لنا البحارة أغنيات حب شبهوا فيها حبيباتهم بخيار دمشق وعيونهن بعيون الغزال وتغنّوا بجمال أيديهن الصفراء وأظافرهن الحمراء . . . وكان أحدهم يبدأ بغناء مقطع فيكرر الباقون الكلمات نفسها واللحن نفسه ثلاث أو أربع أو خمس مرات كل مرة بطبقة موسيقية مختلفة . وبدلا من الطبلة كانوا يصفقون معا . ولن يعجب أي أورويي بالزغاريد التي تطلقها الراقصات المصريات كما أن موسيقانا لا تعجب الأتراك والعرب . وتكون ألحان الشرقيين عادة بسيطة وهم يحبذون أن يفهم السامع كل كلمات الأغنية . عندما يعزف اللحن بعدة آلات موسيقية مع مرافقة غنائية ، نسمعهم جميعا يؤدون النغم نفسه . وسأذكر لكم مثلا على أن موسيقانا ليست من ذوق الشرقيين كما أن موسيقاهم ليست من ذوقنا . أقمنا حفلا موسيقيا في القاهرة تألف عازفوه من بعض التجار والرهبان والسيد بورنفايند وأنا . وفي أثناء عودتنا إلى المنزل ، كنا أكيدين من أن عزفنا قد لاقى إعجابا شديدا في هذا البلد فالتقينا في الظلام برجل مصري يغني وبآخر يصحبه على الناي . ولشدة ما أعجب أحد خدامنا بهذه الموسيقى صرخ : بارك الله ، هذه موسيقى جميلة . عجبنا من قول الخادم وسألناه عن رأيه في موسيقانا فأجاب أنها تشبه الضجيج الصاخب الذي لا يمكن أن يتلذذ فيه المرء . ولقد عزفنا أحيانا أنا والسيد بورنفايند لبعض العرب من الطبقات الرفيعة ، ومع أنهم لم يبدوا عدم إعجابهم بموسيقانا مباشرة إلا أنهم اعتبروا أن موسيقاهم فيها رجولة أكثر من موسيقانا وأنها أجمل منها .
ولأني عازف سيىء لم أجد الوقت أو الفرصة لتعلم موسيقى الشرقيين ووجدت أن خير سبيل لأعطي الأوروبيين فكرة عنها هو عن طريق رسم آلاتهم الموسيقية . وسأحيلكم في هذا الإطار إلى اللوحة 26 .
الآلة ( أ ) هي التي يستعملها اليونانيون الآتون إلى مصر من جزر الأرخبيل . تسمى هذه الآلة « طمبورة » باللغة العربية . فيها وتران من الفولاذ . يسمي اليونانيون الآلة ( ب ) سووري
( Sewuri )
وهي تتألف من أربعة أوتار من الفولاذ ومن وتر مزدوج من الشبهان . يسمي اليونانيون الآلة ( ج ) بقلاما
( Baglam )
وطمبورة
( Tambura )
. وربما يطلق اليونانيون على الآلات الموسيقية الوترية كافة الاسم الأول والعرب يطلقون عليها الاسم الثاني . لا تختلف هذه الآلة عن سابقتها إلا بالحجم وهي تتألف من ثلاثة أوتار واحد من الفولاذ واثنان من الشبهان . تلف حول مقبض هذه الآلات حبال من معي الحيوان لجعل الأنغام أكثر ارتفاعا بتلمس هذه الأوتار بواسطة ريشة وغالبا ما يرافق الموسيقى الغناء . ويتألف هيكل هذه الآلات من الخشب الرقيق ولا يكون خوانها مقوسا ولا الملوى قريبا من المقبض . الصورة ( د ) هي صورة آلة بكمان ( مقوس ) يسميها اليونانيون ليرا
( Lyra )
. فيها ثلاثة أوتار من معي الحيوان لا تلمس من الأعلى بل