نسبة لفيضان مياه النيل الأخير ، ووجدت أنه في 30 كانون الثاني / يناير 1762 ، كانت على ارتفاع 15 قدما ، فوق سطح المياه ، وانخفضت بمعدل 24 قدما في الأول من حزيران / يونيو التالي . من المؤكد إذن أنه في ضواحي القاهرة ترتفع مياه النيل بمعدل 24 قدما . بينما أكدوا لي في دمياط والقاهرة أن ارتفاع منسوب المياه لا يزيد على الأربعة أقدام ، فإن تأملنا في فيضان النيل ، نر أنه في البقعة التي يضيق فيها المجرى يرتفع منسوب المياه في أكثر من جهة المتوسط وذلك بعد أن يروي الحقول اليابسة المجاورة للقاهرة ، ويملأ البرك أو البحيرات الصغيرة وينقسم إلى فروع صغيرة . ولكن لا أحد يتوقع هذا الفرق في ارتفاع منسوب المياه ضمن هذه المسافة الصغيرة . وعند ارتفاع منسوب النيل ، تسد وتنظف القنوات التي اشتقت من النهر الكبير لدى الأرياف المجاورة ؛ ولا تفتح إلا بعد أن يبلغ منسوب المياه ارتفاعا محددا . مقياس جزيرة الروضة وحده الذي يحدد هذا الارتفاع . وقد أوكلت لأحد الشيوخ مهمة الإعلان عن ارتفاع منسوب المياه . ويسارع الفقراء الذين يسمعون الخبر في مصر العتيق والفسطاط إلى القاهرة لنشره في شوارعهم وأحيائهم . ويعودون بعدها إلى الفسطاط ، ليصرح لهم الشيخ من جزيرة الروضة عن مقدار ارتفاع منسوب المياه . فينشر هذا الخبر أيضا ، إلى أن يبلغ النيل الارتفاع المطلوب ، لفتح القناة التي تجتاز القاهرة ؛ وهذا يعني أنه يتوجب دفع الضريبة للسلطان ، وأنه لا داعي للخوف من الجفاف . ولكن لا أحد يعتمد على الأخبار التي تذاع حول فيضان النيل . الشيخ وحده يقترب من المقياس ، ويعلن في البداية عن ارتفاع بسيط لمنسوب المياه ، ليخبرهم لاحقا عن تدفقها بشكل قوي ؛ فإن لم يرتفع المنسوب كثيرا ، فلا يخشى السكان من عدم بلوغه الارتفاع المطلوب قبل فتح القناة . شاهدت مصبها في القاهرة ، وحاولت مراقبة اختلاف ارتفاع منسوب المياه على سور وعر ؛ وفي اليوم نفسه قيل في البلدة إن منسوب المياه ارتفع 3 مرات أكثر مما كنت أظن . وكنت أتمنى أن يشيد يوما ما ، تاجر أورويي من القاهرة ، أو أحد رهبان هذه المدينة ، أو رحالة أورويي ، مقياسا شبيها بمقياس المسلمين . وإليكم أفضل طريقة للقيام بذلك . فعند بلوغ منسوب المياه أدنى ارتفاع ، يقاس علو السور المحاذي للنهر ، وتحصى الحجارة التي تعلو سطح المياه ، ويراقب ارتفاع منسوب المياه يوما بيوم . خلال ارتفاع منسوب المياه ، نلاحظ أحيانا انخفاضه بشكل فجائي ؛ ولعل ذلك عائد إلى صب المياه في أحد القنوات . وهذا يؤدي إلى اختلاف واضح في فيضان النيل . في السنة التي قصدت فيها بلاد مصر ، نشر للمرة الأولى في 29 كانون الثاني / يناير أن منسوب مياه النيل بدأ بالارتفاع ؛ ونشر في 8 آب / أغسطس أن ارتفاعه بلغ 16 ذراعا . عند ذلك شيّد سد القناة التي تجتاز القاهرة ، في 9 آب / أغسطس ، ورافق ذلك احتفالات تقليدية تحدث عنها مطولا عدة مؤلفين .
انتظرنا طويلا لنشاهد تدفق المياه في المدينة ، ولكن انتظارنا ذهب سدىّ ؛ لأن القناة لم تنظف جيدا تلك السنة ، ولم نشاهد تدفق المياه إلا مساء العاشر من آب / أغسطس . وأثار هذا الحادث الاستثنائي بلبلة بين سكان القاهرة ؛ وقيل إنهم سينزلون العقاب بكل من أساء تنظيف القناة ؛ ولكنه دفع مبلغا كبيرا للملك ، وبنى على حسابه سدا جديدا للقناة ، ووضع حجر الأساس له في 12 آب / أغسطس ، بعد حفر قناة القاهرة ، فتحت القنوات الأخرى شيئا فشيئا ؛ إذ لا يحق لكل منطقة بنزح ماء النيل عند ارتفاع منسوبها .
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 103
مساهمون: كارستن نيبور
ص١٠٣