تقرير ماراي على يد السلطان الغوري الذي استلم الحكم العام 1501 ميلادية ، ونجد على الضفة الأخرى للقناة التي تجتاز القاهرة وعلى مقربة من النيل ، صرح كفر العين الذي تعلوه قبة . ويشير الدراويش الذين يقطنون فيه حاليا - ويجنون منه مبالغ طائلة - إلى البقعة التي قتل فيها السلطان سليم . كما وأنهم يملكون طرائق أخرى معلقة فوق باب هذا الدير ، ومنها حذاء يبلغ طول نعله 22 بوصة ، قيل إن درويشا يدعى إبراهيم ارتداه في عهد السلطان بيبرس ؛ وغليون رأسه كبير ، وغيرها من النوادر التي جمعتها هذه الأخوية خلال رحلاتها ، واحتفظت بها للذكرى . وعلى مقربة من هذا الدير ، اعتاد أسياد القاهرة وأفراد عائلتهم ، التمرن بالبنادق والأقواس ، نهاري الأربعاء والسبت ؛ إذ أقام بعض منهم في هذا المكان حجارة تدل على بعد مرمى السهام .
تقع مدينة الجيزة على الضفة الغربية للنيل ، قبالة مصر العتيق ؛ إلّا أني أجهل أصل هذه المدينة . ولكنها ليست بجديدة نظرا للمرتفعات المحيطة بها التي تشكلت بفعل القمامة التي تجمع من الطرقات وتنقل خارج المدينة . وأخالها برزت مع بروز مدينة الفسطاط ، وانحلت مع انحلالها . أما سكانها فمعظهم من الحرفيين ، الذين كانوا يعملون في الفسطاط ، وارتأوا العودة إلى القاهرة ، بعد انحلال الفسطاط . لم يلفت انتباهي في الجيزة إلا المنازل القروية وبعض المصانع .
تقع جزيرة الروضة بين مصر العتيقة والجيزة . وخلال القرون العشرة الأخيرة ، لم يطرأ أي تغير على مساحة هذه الجزيرة ؛ وإن شئنا وصف مساحتها وصورتها ، علينا أن نقرأ كتاب الشريف الإدريسي . ففي زمن هذا المؤلف شهدت مصر العتيق ازدهارا ملموسا . بينما كانت تضم هذه الجزيرة حدائق غناء ومنازل قروية جميلة ، ونظرا لتكاثر أعمال سكان العاصمة على الضفة المقابلة للنيل ، بني جسر للسفن بين الفسطاط والروضة وبين الروضة والجيزة . لكن أصبحت القاهرة العاصمة ، وهدم الجسر الذي يصل الفسطاط بهذه الجزيرة ؛ إذ نقل سكان القاهرة منازلهم القروية إلى مصر العتيق وبولاق ، وبركة الحاج .
وبالتالي ، فقدت الروضة معالمها المميزة باستثناء سور كبير على الطرف الجنوبي ، وبعض الصروح القديمة ومنها الجامع الذي يحوي المقياس الشهير . رسم عدة رحالة هذا الصرح ؛ ولكن نوردن وحده الذي أجاد رسمه . والجدير ذكره أن الصورة أجمل من الأصل الذي نقلت عنه .
لست أدري إن حاول أحدهم قياس عرض النيل ؛ ولقد قسته بواسطة قاعدة طولها 233 قدما وزاويتين متلاصقتين فوجدت أن عرض النيل قرب الجيزة يبلغ 2946 قدما بما فيها عرض جزيرة المقياس التي ظهرت منذ سنوات قليلة . لكن يبلغ عرض النيل قرب رشيد 650 قدما وقرب دمياط 100 قدم في الواقع . ويرتفع منسوب النهر في شهر حزيران / يونيو لمدة 40 أو 50 يوما حتى يعود وينخفض شيئا فشيئا ؛ إذ إن السماء تمطر بغزارة خلال أشهر الصيف الحارة ، في الحبشة والجهة الغربية لجبال اليمن ، مما يؤدي إلى فيضان مياه النيل . كما وأن أنهر اليمن تفيض في الموسم نفسه ، لتصب في البحر أو تمتصها الرمال ؛ بينما تتجمع الأنهر والجداول في الحبشة لتشكل نهرا واحدا يجتاز بلاد مصر كلها . ولما لم يسمح لي بقياس انخفاض منسوب المياه قرب المقياس ، بحثت في الجيزة على أحد الجدران الوعرة على دليل عن أعلى
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 102
مساهمون: كارستن نيبور
ص١٠٢