تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
العظمى وبلاد الروس وبلاد الجركس « 29 » ، وذكر أن عهده بالأندلس منذ أربعة اشهر ، وأخبرني التجار المسافرون الذين لهم المعرفة بذلك بصحّة مقالة . ورأيت بهذه البلاد عجبا من تعظيم النساء عندهم وهنّ أعلى شأنا من الرجال ، فأما نساء الأمراء فكانت أوّل رؤيتي لهنّ عند خروجي من القرم رؤية الخاتون زوجة الأمير سلطيه في عربة لها ، وكلّها مجلّلة بالملف الأزرق الطيب ، وطيقان البيت مفتوحة وأبوابه ، وبين يديها أربع جوار فاتنات الحسن ، بديعات اللّباس وخلفها جملة من العربات فيها جوار يتبعنها ، ولمّا قربت من منزل الأمير نزلت عن العربة إلى الأرض ونزل معها نحو ثلاثين من الجواري يرفعن أذيالها ، ولأثوابها عرى تأخذ كل جارية بعروة ويرفعن الأذيال عن الأرض من كلّ جانب ، ومشت كذلك متبخترة فلمّا وصلت إلى الأمير قام إليها وسلّم عليها وأجلسها إلى جانبه ، ودار بها جواريها ، وجاءوا بروايا القمزّ فصبّت منه في قدح وجلست على ركبتيها قدّام الأمير وناولته القدح ، فشرب ثمّ سقت أخاه ، وسقاها الأمير ، وحضر الطعام فأكلت معه وأعطاها كسوة وانصرفت ، وعلى هذا الترتيب نساء الأمراء ، وسنذكر نساء الملك فيما بعد . وأمّا نساء الباعة والسوقة فرأيتهنّ ، وإحداهنّ تكون في العربة والخيل تجرّهن ، وبين يديها الثلاث والأربع من الجواري يرفعن أذيالها وعلى رأسها البغطاق « 30 » ، وهو أقروف « 31 » ، مرصّع بالجوهر ، وفي أعلاه ريش الطواويس ، وتكون طيقان البيت مفتحة ، وهي بادية الوجه لأنّ نساء الأتراك لا يحتجبن ، وتأتي إحداهن على هذا الترتيب ومعها عبيدها بالغنم واللبن فتبيعه من النّاس بالسلع العطريّة ، وربّما كان مع المرأة منهن زوجها فيظنّه من يراه بعض خدّامها ، ولا يكون عليه من الثياب الا فروة من جلد الغنم وفي رأسه قلنسوة تناسب ذلك يسمونها الكلا .
هامش
( 29 ) الجركس : شعوب كانت تقطن في القوقاز وهاجر أغلبها إلى بلاد الشام ، عرفوا بحسن الطلعة ، وكانوا مضرب المثل في اقتصادهم وتدبيرهم على ما جربته في مخالطتهم - الدولة الجركسية بمصر ( المماليك ) خلدت ذكرها في التاريخ بما قدمته من عطاء - انظر دائرة المعارف الإسلامية مادة جركس ، عوض كلمة الروس نجد في بعض المخطوطات الروم . ( 30 ) البغطاق : سيأتي أن ابن بطوطة نفسه يشرحها بقوله بأنها مثل التاج الصغير المكلل بالجواهر وبأعلاه ريش الطواويس . . . وقد أتعب دوزي نفسه في البحث عن الكلمة في معجم الملابس ونقل عن غيره أنها قميص ثم ذكر أخيرا أنها ثياب تزين بالجواهر واللئالئ بل كان بعضها ينسج ويطعم بالأحجار . ( 31 ) أقروف : لفظ بربري الصيغة ، وهو يعني حسب القرائن المحتفة باستعماله - ما يعبر عنه دوزي بقوله : ضرب من تيجان الرأس المستعملة في المغرب . . . أفول وما تزال بعض نساء شمال المغرب يتزيّن به عند المناسبات . . . وربما كان اقروف ( وليس أخروق كما حرفها ترجمان معجم الملابس ) يشبه ما كان يسمى بالحنطوز في المغرب مما تغطي به السيدة رأسها ويكون مرصعا في الغالب بالجواهز واللئالي . . . - د . التازي ، اعراس فاس 1961 ص 28 .