تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
ومع ذلك يبقى للتجار فيها فضل كبير لأنهم يبيعون الرخيص منها ببلاد الهند بمائة دينار دراهم ، وصرفها من الذهب المغربي خمسة وعشرون دينارا ، وربّما باعوها بضعف ذلك وضعفيه . والجياد منها تساوي خمسمائة دينار ، وأكثر من ذلك ، وأهل الهند لا يبتاعونها للجري والسّبق لأنهم يلبسون في الحرب الدروع ويدرّعون الخيل ، وإنّما يبتغون قوة الخيل واتّساع خطاها ، والخيل التي يبتغونها للسبق تجلب إليهم من اليمن وعمان وفارس ، ويباع الفرس منها بألف دينار إلى أربعة آلاف . ولما سافر الأمير تلكتمور عن هذه المدينة أقمت بعده ثلاثة أيّام حتى جهّز لي الأمير محمد خواجة آلات سفري وسافرت إلى مدينة الماجر ، وهي بفتح الميم والف وجيم مفتوح معقود وراء ، مدينة كبيرة من أحسن مدن التّرك على نهر كبير ، وبها البساتين والفواكه الكثيرة « 28 » ، ونزلنا منها بزاوية الشيخ الصالح العابد المعمّر محمد البطائحي من بطائح العراق ، وكان خليفة الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه ، وفي زاويته نحو سبعين من فقراء العرب والفرس والترك والروم ، منهم المتزوج والعزب وعيشهم من الفتوح ، ولأهل تلك البلاد اعتقاد حسن في الفقراء ، وفي كلّ ليلة يأتون إلى الزاوية بالخيل والبقر والغنم ، ويأتي السلطان والخواتين لزيارة الشيخ والتّبرّك به ، ويجزلون الإحسان ويعطون العطاء الكثير وخصوصا النساء فإنهم يكثرن الصدقة ويتحرّين أفعال الخير . وصلّينا بمدينة الماجر صلاة الجمعة فلما قضيت الصلاة صعد الواعظ عزّ الدين المنبر ، وهو من فقهاء بخاري وفضلائها وله جماعة من الطلبة ، والقرّاء يقرءون بين يديه ، ووعظ وذكّر وأمير المدينة حاضر وكبراؤها فقام الشيخ محمد البطائحيّ فقال : إن الفقيه الواعظ يريد السفر ، ونريد له زوّادة ، ثم خلع فرجيّة مرعز كانت عليه ، وقال : هذه منّي إليه فكان الحاضرون بين من خلع ثوبه ومن أعطى فرسا ومن أعطى دراهم ، واجتمع له كثير من ذلك كله . ورأيت بقيساريّة هذه المدينة يهوديا سلّم عليّ وكلّمني بالعربي ، فسألته عن بلاده فذكر أنّه من بلاد الأندلس وأنّه قدم منها في البرّ ، ولم يسلك بحرا ، وأتى على طريق القسطنطينية
هامش
( 28 ) مدينة الماجر حددت على أنها بورگومادزري (BURGOMADZHRY) على ساحل نهر كوما (KUMA) على الخط 50 44 شمالا و 27 44 شرقا .
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 224 | ابن بطوطة / عبد الهادي التازي