تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
أما كتابه الشهير « مفاكهة الخلّان في حوادث الزّمان » فهو أحد أهم وأطرف أصول تاريخ دمشق ، ما بين عصرين ومرحلتين متباينتين : نهاية عهد سلاطين المماليك ، ومطلع حكم بني عثمان ببلاد الشام . وإذا كانت مصر تفخر بمؤرّخها الكبير ابن إياس الحنفي ، فدمشق تباهي بصنوه الشامي ابن طولون ! يرسم الكتاب بجزئيه الاثنين صورة حيّة وطريفة ودقيقة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بدمشق ، فيقدّم للقارئ مشاهد للحياة اليومية للمجتمع الدمشقي آنذاك ، بين حكّامه وعلمائه وأعيانه وعوامه ، وشتّى حوادثه من كبيرة أو صغيرة . كما يتضمّن طائفة من الوقائع والعادات والتعابير الشاميّة التي حفظت لنا بعضها القرون ، بينما اندثر البعض الآخر . لكن من أشدّ ما يؤسف له أن هذا الكتاب الثمين الذي يغطّي مرحلة جدّ هامة من تاريخ مدينتنا الخالدة ، بين 880 - 951 ه قد ضاع منه الجزء الثاني برمّته ( وفيه أخبار السنوات 927 - 951 ه ) ، وهو المعوّل عليه في فهم أحوال دمشق والشام عموما إبّان انضوائهما تحت الحكم الجديد ، بما رافق ذلك من تغييرات جذرية على الصّعيد السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي . لكنّني نشرت منه في العام 2002 نتفا ممزّقة جمعناها من 12 مخطوطة معاصرة ، فسدّت فراغا كبيرا حول تاريخ دمشق بمطلع الحكم العثماني في أيام السّلطان سليمان القانوني . أما الجزء الأول الذي يضمّ أخبار المدينة بأواخر عصر المماليك ، فصدرت منه نشرة رديئة في مصر سنة 1962 - 1964 . وفيه يورد ابن طولون - وكان شاهد عيان - صفة دخول موكب السّلطان قانصوه الغوري دمشق وإقامته بها بين 18 - 26 جمادى الأولى سنة 922 ه ، أي قبل شهرين من مقتله بمرج دابق في 25 رجب . فجاء وصفه للموكب الفخم دقيقا وافيا ، من الممتع مقارنته بما كتبه معاصره مؤرّخ مصر ابن إياس في كتابه الشهير « بدائع الزّهور في وقائع الدّهور » . * * *