ابن طولون الصّالحي :
أما مؤرّخنا ابن طولون الصّالحي ، فله هو الآخر خصوصية هامّة فيما يرتبط بتاريخ مدينة دمشق ، إذ أنه كان الحلقة الأخيرة تماما في مدرسة مؤرّخي الشام بعصر المماليك ، التي ازدهرت وآتت أكلها بمصادر تاريخية ثمينة ، ثم انحسرت إبّان الحكم العثماني ، بسبب كون دمشق فقدت مكانتها السّابقة كثاني مدن السّلطنة ، لتضحي مجرّد ولاية بعيدة عن العاصمة الجديدة ( إستانبول ) . ولولا موقعها كبوّابة للحجاز والحجّ الشريف ، لكنّا رأينا مكانتها تنحدر أكثر وأكثر .
ولد شمس الدين محمد بن علي بن أحمد ابن طولون الحنفي في الصّالحية بحي الأمير ابن المقدّم في سنة 880 ه ، في عهد المماليك البرجية الچراكسة ، وكان العهد المملوكي يكاد يقترب من نهايته . أما أصل آل طولون فمن التّرك ( ومعنى الاسم
Dolun
: بدر ) ، وكذلك كانت أمه أزدان
O ? zden
رومية ( تركية ) تحسن لسان التّرك . وأعقاب العائلة ما زالت إلى اليوم بدمشق ( آل الطّيلوني ) .
قامت ثقافة الرّجل على المشاركة في جميع العلوم ، فانصرف إلى الفقه الحنفي وإلى القراءات والحديث وأصول الفقه وتفسير القرآن والفرائض وعلوم العربية من نحو وأصوله وعلم اللغة والتّصريف والعروض والقوافي والمعاني والبيان والبديع . ثم ترقّى إلى علوم أخرى ، فقرأ في علم الكلام وفي المنطق والتصوّف والتاريخ . ويذكر في كتابه « الفلك المشحون » أن العلوم التي قرأها ثمانية وثلاثون علما ، وفي ضمنها علوم أخر تزيد مع هذه على اثنين وسبعين علما .
ألمّ ابن طولون من خلال ذلك بألوان الثقافة وشارك بها ، وأتيح له عن طريقها أن يقرأ على القرّاء والمحدّثين والأصوليين والفقهاء والنّحاة واللغويين والمناطقة والمؤرّخين والمتصوّفين والأطباء والمنجّمين وعلماء الفلك والهيئة والطبيعة والموقعين وغيرهم . بل وأتيح له أن يتجاوز علماء دمشق ، الذين أجازوه إجازات كثيرة شهدوا بها بعلمه وإتقانه ، إلى علماء مصر لينال الإجازة منهم عن بعد ، ومنهم الحافظ جلال الدين السّيوطي علّامة عصره .