قطن فيه بعض قضامة مربوطة بخيط قنّب . فأردت أن أدخل عليه سرورا ، فقلت له : يا تعاتير ، من مناسبة الحال القضامة ، وهي ذهب وفضّة في وعاء مشدود معقود ، تناله من بعض رؤساء الشاميين . فسرّ بذلك وفارقني .
فأخذت أتعجّب من الاتّفاق وذكر هذه الأربعة قافات المجلوبة من الشام إلى القاهرة . وفيما أنا في مثل هذا السّياق ، إذا أنا به في اليوم الثاني جاءني وهو يضحك ، فقلت : ما بالك وما خبرك ؟ قال : فارقتك فأخذت لي قطعة جبن ورطب وجلست آكلهم برغيف في عقبة قدّام المقياس ، وإذا برئيس شامي في خدمته عبيد وغلمان نزل إلى تلك العقبة ، وقال للنّوتي : اطلع بنا المقياس لنزوره ، وزوّرنا الآثار ، وقال لغلمانه : لاقونا بالخيل إلى الآثار . فنهرني بعض العبيد وقال : ما تخرج ! فقال له سيّده : دعه يؤانسنا . وسألني عن اسمي ، فقلت له : الناس يسموني تعاتير ، وإنما اسمي أبو الخير . فتهلّل وجهه وقال :
هذا المكان ما اسمه ؟ فأقول له كيت وكيت ، وهذا يعرف بكذا .
إلى أن توجّهنا إلى درج الآثار وأراد الطلوع ، وإذا بمنديل سقط منه في المركب ، فبادرت لمناولته إياه ، فقال لي : أعط منه للنّوتي دينارا وخذه لك بما فيه . فقبّلت يده ، وقال لي : ما تروح معنا ؟ قلت له : مرسومك هذا النّوتي ابن حارتي ، وأرجع معه . فقال : أدع لنا . وتركته وأنا لا أصدّق من الفرح ، فقلت لبعض غلمانه : أيش يقال لهذا الرئيس بين الشاميين ؟ قال : هذا القاضي بدر الدّين بن المزلّق « 1 » . فدعوت له وانصرفت أجد بالمنديل خمسة دنانير ذهبا وسبعين فضّة ، فدفعت للنّوتي دينارا ، وجئت لأتشكّر منك على تعبير المنام وأخبرك بتفسيره . فقلت له : هذا أعجب من الأول . انتهى .
وغالب ما عددناه وأوردناه من محاسن الشام انفردت به دون غيرها ، ويحمل منها لغالب البلاد لكثرة خيرها . ومن أعاجيبها أن خيرها في الغالب لغير بنيها ، حتى أنه ينسي الأهل والأوطان ، ولو فارقها لعاد إليها على طول الزّمان .
هامش
( 1 ) بنو المزلّق من أسر العلم الشهيرة بدمشق زمن المماليك ، لا ندري أين طوّح بهم الدّهر .