تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣

قلعة دمشق

ومن محاسن الشام قلعتها وحسن بنائها واتّساعها فإنها قدر مدينة . وبها ضريح السيّد الجليل أبي الدّرداء رضي اللّه عنه . وبها جامع وخطبة كالمدينة فإنها بفرد خطبة لا غير ، وخارج المدينة الخطب الكثيرة ، يعسر الآن علينا تعدادها . وبها حمّام وطاحون وبعض حوانيت لبيع البضائع . وبها دار الضّرب التي تضرب فيها النقود . وبها الدّور والحواصل ، وبها الطّارمة « 1 » التي ليس على وجه الأرض أحسن منها ، كأنها أفرغت بقالب من شمع ينظر الرائي أعلاها فيحسن نظره وإن طال مرآه . وهي تسامت رؤوس الجبال . يقال إن تمرلنك لمّا أن حاصرها وعجز عنها أمر أن ينقب تحتها وتقطع الأشجار وتعلّق بها ، حتى إذا انتهى تعليقها أطلق النار فيما تحتها من الأخشاب وظن أنها تفسخ بذلك وتسقط شذر مذر فيبلغ مراده من أخذ القلعة . فلمّا عمّت النار فيما تحتها بركت بصوت أزعج الوجود كما يبرك الأسد ، فمن ثمّ سمّوها بالأسد البارك ، وهي الآن على الثّلثين من علوّها . وبالقلعة آبار ومجار للماء ومصارف ، بحيث إذا وقع الحصار وقطع عنهم الماء تقوم الآبار مقامه . وبها يمرّ نهر « بانياس » وينقسم فيها قسمين ، يستمر أحدهما على حاله طاهرا للمنافع والاستعمال ، والآخر تنسحب عليه الأوساخ والقاذورات ، وهو المسمى بقليط ، يمرّ تحت الأرض بنحو من قامتين لتشعّب الماء الطاهر فوقه يمينا وشمالا ، حتى في بعض الأراضي يبلغ سبعة مجار من الماء العذب ليس لأحدها اختلاط بالآخر . ومصارفهم تسقط على نهر قليط ، ويمرّ في المدينة إلى أن يخرج من الباب الصغير ، ويتصل بمحلّة « المزّاز » فيضمحلّ فيما يليها من الأراضي التي تزرع الكرسنّة والفصّة والبيقية والقنّب وما أشبه ذلك . وغالب ما يسقى به القنّب ،
هامش
( 1 ) الطارمة : بناء للسّلطان كان ملحقا بخارج القلعة ، وهو قاعة خشبية أنيقة ذات شبابيك تعلوها قبّة من الخشب . وفي لهجة دمشق كانت منها بقية : الطّرمة ، غرفة علوية .