تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
وفي صبيحة يوم الأحد ، ركب وسلّم على حريم كافل المملكة الشّامية ، ودخل الجامع الأموي وصلّى ركعات وتصدّق على من وجد به من الفقراء ، وأقام بالوطاق منتظرا المشاة والقاضي شرف الدّين الأنصاري والمشايخ إلى يوم الجمعة تاسع عشره دخل البلد وصلّى الجمعة بمقصورة جامع الأموي . وخطب قاضي القضاة قطب الدّين الشافعي ، أسبغ اللّه ظلاله ، خطبة بليغة حرّض فيها على التثبّت والصّبر في الأمور واتفاق الكلمة وما يحدث من الاختلاف ، وأتى بآيات من كتاب اللّه تعالى وأحاديث أجاد فيها إنشاء وإنشادا . فلمّا خرج من الجامع ، وقف له الناس صفوفا وهم يدعون له ويتضرّعون إلى اللّه بنصره على عدوّ اللّه وعدوّ المسلمين ، فشاهد جماعة مستكثرة من الفقراء واقفين على باب الجامع ، فرسم لي بأن أقف مع خازنداره وأتصدّق من ماله عليهم . ففرّقت جميع ما وجدته مع الولد شادباك خازندار الكيس إلى أن نفد ، وكان معي بعض شيء أضفته إلى ذلك ونفقته مع ذلك وللّه الحمد . وقاسيت في ذلك اليوم من الازدحام ما لا يمكن تعبيره . ورسم أن يفرّق على المماليك السّلطانية عليق شهر ذي القعدة ، فغلط الكاتب وفرّق عليق أربعين يوما تكملة شهر شوّال ، وهي المدة التي مضت بالقاهرة ، فطلب الكاتب وضربه ضربا مبرّحا ، وأقام في التّرسيم « 1 » أياما ثم أنعم عليه وصفح وأطلقه . وفي رابع عشرينه وصل القاضي شرف الدّين الأنصاري وأخبر أن المشاة تكمّلوا وأنهم توجهوا على طريق وادي التّيم « 2 » ، فرحل من دمشق نهار الجمعة بعد صلاة الظهر ونزل عند خان لاجين « 3 » .
هامش
( 1 ) الترسيم من مصطلحات العهد المملوكي ، ويعني الحبس أو الإقامة الجبرية . ( 2 ) وادي التّيم : تسمية قديمة لما يعرف في أيامنا بقضائي حاصبيّا وراشيّا الواقعين على السّفح الغربي لجبل الحرمون في الأراضي اللبنانية . والمعنى في الكنعانيّة : الجنوب . ( 3 ) خان لاجين : خان قديم لا يزال قائما ، يقع إلى الشمال من قرية عدرا على الطريق بين دمشق وتدمر . بناه الأمير المملوكي حسام الدّين لاجين نائب دمشق عام 690 ه في عهد -