تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١

دمشق

وأما المملكة الشاميّة فإنها مملكة متّسعة جدا ، وهي عدّة أقاليم ومدن وقلاع ، وقد تقدّم أن مدينتها العظمى دمشق . وهي مدينة حسنة إلى الغاية تشتمل على سور محكم وقلعة محكمة ، وبها طارمة مشرفة على المدينة ، بها تخت المملكة مغطّى لا يكشف إلا إذا جلس السّلطان عليه « 1 » . وفضائل الشام كثيرة ، وبها جوامع حسنة ومدارس وأماكن مباركة وشوارع وأسواق وحمّامات وبساتين وأنهر وعمائر تحيّر الواصف فيها . قال بعض المفسّرين في قوله تعالى :
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
: وهي دمشق . وبها بيمارستان لم ير مثله في الدنيا قطّ ، واتّفقت نكتة أحببت ذكرها : وهي أني دخلت دمشق في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة ، وكان بصحبتي شخص عجمي من أهل الفضل والذّوق واللطافة ، وكان قاصدا الحجّ في تلك السنة ، وألّف مناسك الحجّ على أربعة مذاهب . فلمّا دخل البيمارستان المذكور ونظر ما فيه من المآكل والتّحف واللطائف التي لا تحصر قصد اختبار حال البيمارستان المذكور ، فتضاعف وأقام به ثلاثة أيام ، ورئيس الطبّ يتردّد إليه ليختبر ضعفه . فلمّا جسّ نبضه وعلم حاله وصف له ما يناسبه من الأطعمة الحسنة والدّجاج المسمّن والحلوا والأشربة والفواكه المتنوّعة . ثم بعد ثلاثة أيام كتب له ورقة من معناها أن « الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام ! » . وهذا في غاية الحذاقة والظرافة . وقيل إن البيمارستان المذكور منذ عمّر لم تنطفئ فيه النّار . وأمّا جامع بني أميّة فهو أحد العجائب الثلاث ، ولقد رأيت في بعض التواريخ أن عجائب الدنيا ثلاث : منارة الإسكندرية ، وجامع بني أميّة ، وحمّام طبريّة .
هامش
( 1 ) تعاقب على السّلطنة في الفترة المذكورة : الأشرف پرسباي ( 825 - 841 ه ) ، ثم الظاهر چقمق ( 842 - 857 ه ) ، ثم الأشرف إينال ( 857 - 865 ه ) .