وفي الحال قدم رسول تيمور إلى مدينة دمشق في طلب الطّقزات المذكورة ، فبادر ابن مفلح واستدعى من القضاة والفقهاء والأعيان والتّجار حمل ذلك كلّ أحد بحسب حاله ، فشرعوا في ذلك حتى كمل ، وساروا به إلى باب النّصر ليخرجوا به إلى تيمور ، فمنعهم نائب قلعة دمشق من ذلك « 1 » ، وهدّدهم بحريق المدينة عليهم إن فعلوا ذلك ، فلم يلتفتوا إلى قوله ، وقالوا له : « أنت احكم على قلعتك ، ونحن نحكم على بلدنا » « 2 » .
وتركوا باب النّصر وتوجّهوا ، وأخرجوا الطّقزات المذكورة من السّور ، وتدلّى ابن مفلح من السّور أيضا ، ومعه كثير من أعيان دمشق وغيرهم وساروا إلى مخيّم تيمور ، وباتوا به ليلة الأحد ، وعادوا بكرة الأحد . وقد استقرّ تيمور بجماعة منهم في عدّة وظائف : ما بين قضاة القضاة ، والوزير ، ومستخرج الأموال ، ونحو ذلك . [ و ] معهم فرمان من تيمور لهم ، وهو ورقة فيها تسعة أسطر يتضمّن أمان أهل دمشق على أنفسهم وأهليهم خاصّة .
فقرئ الفرمان المذكور على منبر جامع بني أميّة بدمشق ، وفتح من أبواب دمشق باب الصّغير فقط ، وقدم أمير من أمراء تيمور ، جلس فيه ليحفظ البلد ممّا يعبر إليها من عساكر تيمور . فمشى ذلك على الشّاميين وفرحوا به ، وأكثر ابن مفلح ومن كان توجّه معه من أعيان دمشق الثّناء على تيمور وبثّ محاسنه وفضائله ، ودعا العامّة لطاعته وموالاته ، وحثّهم بأسرهم على جمع المال الذي تقرّر لتيمور عليهم ، وهو ألف ألف دينار ، وفرض ذلك على النّاس كلّهم ، فقاموا به من غير مشقّة لكثرة أموالهم .
هامش
( 1 ) هذا واللّه من الرّجال المعدودين ، وسنرى أدناه ما سيبدر من بطولته . يذكر ابن عربشاه في كتابه « عجائب المقدور » أن اسمه « أزدار » ، ويبدو أنه مصحّف عن : أزدمرO ? zdemir، ويذكر أن من أمثل مقاتلة القلعة شهاب الدّين الزّردكاش الدمشقي وشهاب الدّين أحمد الزّردكاش الحلبي . وقام تيمور بتعذيب الشهاب الدّمشقي وهو في سن 90 عاما !
( 2 ) وأيّ رجال واللّه ! ! تعوّدنا دوما من طبقة التّجارة والمصالح الجنوح دوما إلى الدّعة والمسالمة ( كلمتان ملطّفتان بدلا من : الخوف والجبن ) ، أمّا الرّجولة والقتال والجهاد والتفاخر بحمل السّلاح فهي في نظرهم شيء من مظاهر « الزّعرنة » .