فلمّا كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السّلاح ، جليلها وحقيرها ، فتتبّعوا ذلك وأخرجوه له ، حتى لم يبق بها من السّلاح شيء .
فلمّا فرغ ذلك كلّه ، قبض على ابن مفلح ورفقته « 1 » ، وألزمهم أن يكتبوا له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها ، فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ، ففرّقه على أمرائه ، وقسم البلد بينهم ، فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم ، ونزل كلّ أمير في قسمه وطلب من فيه ، وطالبهم بالأموال .
فحينئذ حلّ بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف ، وأجري عليهم أنواع العذاب من الضّرب والعصر والإحراق بالنّار ، والتّعليق منكوسا ، وغمّ الأنف بخرقة فيها تراب ناعم ، كلّما تنفّس دخل في أنفه حتى تكاد نفسه تزهق . فكان الرّجل إذا أشرف على الهلاك يخلّى عنه حتى يستريح ، ثم تعاد عليه العقوبة أنواعا ، فكان المعاقب يحسد رفيقه الذي هلك تحت العقوبة على الموت ويقول :
يا ليتني أموت وأستريح ممّا أنا فيه !
ومع هذا كلّه تؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذّكور ، وتقسم جميعهم على أصحاب ذلك الأمير ، فيشاهد الرّجل المعذّب امرأته أو ابنته وهي توطأ ، وولده وهو يلاط به ، فيصرخ هو من ألم العذاب ، والبنت والولد يصرخان من إزالة البكارة واللّواط « 2 » ، وكلّ ذلك من غير تستّر في النّهار بحضرة الملأ من النّاس .
هامش
( 1 ) ماذا كان موقف ابن مفلح بعد ما رأى الذي جنته يداه جرّاء غبائه وسذاجته العجيبة ؟ أن يقع في شرك تيمورلنك فهذا ممكن ، ولكن أن ينادي بالقتل على من يخالفه ويمنع النّاس عن الجهاد أشدّ المنع ، فهذا مما لا يقبله عقل أو ضمير ! يبدو أنه كان يحاول تقليد ابن تيميّة في مجاهدة التّتر نوبة غازان 699 ه ، لكن أين الثّرى من الثّريّا . يذكر ابن تغري بردي ( النجوم ، 13 : 25 ) موته في شعبان 803 ه ، أي بعد 3 أشهر من فعلته ، وكنا نودّ لو أن المصادر أفادتنا بما آل إليه أمره ، ولا ريب أن الجزء الرابع الذي لم ينشر بعد من التاريخ البالغ الأهميّة الذي وضعه مؤرّخ دمشق ابن قاضي شهبة ، والذي يضمّ حوادث المدينة في الفترة بين 801 - 808 ه ، فيه تفاصيل هامّة جدا حول هذه النّكبة .
( 2 ) كنا نودّ لو نحذف هذه المقاطع المؤلمة من نشرتنا ، ولكنها وثيقة تاريخية فلا يجوز التصرّف بها كيفما كان . وعلى أي حال ، فمأساة سقوط دمشق بيد تيمور لنك وما جرى بها من فظائع وإجرام لا تزال حيّة في ذاكرة النّاس إلى يومنا هذا .