ولمّا سمع أهل دمشق كلام أصحاب تيمور في الصّلح ، وقع اختيارهم في إرسال قاضي القضاة تقي الدّين إبراهيم بن [ محمد بن ] « 1 » مفلح الحنبلي ، فأرخي من سور دمشق إلى الأرض ، وتوجّه إلى تيمور واجتمع به وعاد إلى دمشق ، وقد خدعه تيمور بتنميق كلامه ، وتلطّف معه في القول وترفّق له في الكلام ، وقال له : « هذه بلدة الأنبياء والصّحابة ، وقد أعتقتها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، صدقة عني وعن أولادي ، ولولا حنقي من سودون نائب دمشق عند قتله لرسولي ما أتيتها . وقد صار سودون المذكور في قبضتي وفي أسري ، وقد كان الغرض من مجيئي إلى هنا ، ولم يبق لي الآن غرض إلا العود ، ولكن لا بدّ من أخذ عادتي من التّقدمة من الطّقزات » .
وكانت هذه عادته إذا أخذ مدينة صلحا يخرج إليه [ أهلها ] « 2 » من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدّواب والملابس والتّحف تسعة ، يسمّون ذلك طقزات ، والطّقز باللغة التّركيّة : تسعة « 3 » ، وهذه عادة ملوك التّتار إلى يومنا هذا .
فلمّا صار ابن مفلح بدمشق ، شرع يخذّل النّاس عن القتال ويثني على تيمور ودينه وحسن اعتقاده ثناء عظيما ، ويكفّ أهل دمشق عن قتاله . فمال معه طائفة من النّاس ، وخالفته طائفة أخرى وأبوا إلا قتاله ، وباتوا ليلة السبت على ذلك ، وأصبحوا نهار السبت وقد غلب رأي ابن مفلح على من خالفه ، وعزم على إتمام الصّلح ، ونادى في النّاس : إنه « من خالف ذلك قتل وهدر دمه » .
فكفّ النّاس عن القتال « 4 » .
هامش
( 1 ) زيادة من السّلوك للمقريزي .
( 2 ) زيادة من السّلوك للمقريزي .
( 3 ) في التّركية :dokuz.
( 4 ) يا له من ساذج غرّ مستحقّ للشّفقة . وواها لدمشق المفجوعة ابتليت بطاغية مجرم ( تيمور لنك ) وسلطان عمره 13 ( فرج ) ومسؤولي دولة جشعين ( أمراء مصر ) وقاض غرّ ( ابن مفلح ) وموفد أناني وجبان ( ابن خلدون ) . وحدهم أبطال الجهاد ممّن حاربوا الغزاة لهم يبقى الفخر والشّرف ، ولغيرهم الخزي والعار .