تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣

[ رحلة السّلطان برقوق إلى الشّام ]

ثم إن السّلطان الملك الظاهر برقوق فرّق على مماليكه الخيول والسّلاح ، وأعلم الأمراء أنهم يتهيّأوا للرّواح . وركب السّلطان في جيوشه وأعوانه ، والخليفة أمير المؤمنين أمامه ، وسار في الجيوش والجحافل ، والصّوارم والعوامل ، والبركستوانات السّوابل ، والصّوارم والرّماح ، والجنائب والسّلاح ، والخوذ والزّرديّات ، والقراقل المثمنات ، والتّرك قد تنوّعوا في الملابس ، كأنهم أسود عوابس ، قد ركبوا السّوابق العربيّة ، وأخلصوا إلى اللّه تعالى النيّة ، وذوائب العصائب تخفق ، ولسان النّصر ينطق ، وجيوش قد سدّت القفار ، كأنهم شعلة نار ، تكاثر النّجوم بعددها ، وتبهر العيون بحسن ملابسها . وسار مولانا السّلطان ، أوحد ملوك الزّمان ، بعسكره المنصور ، وسعيه المشكور . وطلع في ركابه الشريف السّلطان أحمد مسرور ، وأيقن أنه على عدوّه تمرلنك منصور ، وقصد السّلطان بلاد الشام ، وطير عزّه فوق رأسه قد حام ، والأكوام تبتهج لمسيره ، وتشكر حسن ثنائه وتأثيره ، وانسرّت لقدومه الأكوان ، وتمايلت فرحا به الأغصان ، وكاد أن يسعى إلى تقبيل الأرض بين يديه القصر « 1 » والميدان ، وغنّت الأطيار ، وصفّقت الأنهار ، وتضوّع عرف الأزهار ، وانتشرت البشرى في الأقطار ، وتزخرفت القلعة وانجلت ، وأعرضت في أحسن حلّة وتبدّت ، وأظهرت سلطان منعتها ، وأبدت للعيون حسن زينتها ، وافتخرت على القلاع والثّغور ، وابتهجت حتى لاح على وجه أسوارها السّرور ، وتلقّته الرّعايا مبتهلين ، ولجوده وإحسانه شاكرين ، ووصلت أخبار السّلطان أنه في الغور ، وطلع نائب الشام وعساكر الشام فور بعد فور « 2 » ، وطالعوا الفواكه والحلاوات إليه ، وقبّلوا الأرض بين يديه .
هامش
( 1 ) كناية عن القصر الأبلق والميدان الأخضر بقربه . كان الميدان موضع معرض دمشق الدولي ( تمّت إزالته مؤخرا ) ، والقصر الأبلق موضع التكيّة السّليمانيّة . ( 2 ) كان نائب الشام آنذاك الأمير تنبك الحسني الظاهري ( وليها بين 795 - 802 ه ) ، انظر نصّ ابن خلدون أدناه حول مقتله على يد النّاصر فرج ابن برقوق . له تربة جميلة في الميدان .