تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وأصبحت أوقات ( الرّبوة ) بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيرة ، ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة ، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم ، وضاع من غير تورية عطره النّاسم ، ولم ينتظم لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم رسالة من النسيم سحرية ، وكيف لا وقد محا سجع المطوّق من طروس تلك الأوراق النباتية . هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلمّا انقطع نهرها صحّ أنها كسرت السّوار ، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار ، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التّشبيب موصولا ، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى ( الرّبوة ) دخولا :
لم لا أشبّب بالعيش الذي انقرضت * أوقاته وهو باللّذات موصول
ونقص ( يزيد ) « 1 » فاحترق ، ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه ، وانقطع ظهر ( ثورا ) « 2 » فأهلك الحرث والنسل بقطعه ، وذاب ( بردى ) وحمي مزاجه لمّا شعر بالحريق ، ولم يبق في ثغره الأشنب بدرر حصبائه ما يبلّ الريق . وانقطع وقد اعتل من غيضه ( بانياس ) ، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس . وجرى الدّم من شدّة الطعن ب ( القنوات ) ، وكسرت قناة ( المرجة ) « 3 » فذاقت مرّ العيش بعد حلاوة تلك القطوف الدانيات . وكسر ( الخلخال ) « 4 » لمّا قام الحرب على ساقه ، وسقط رأس كل غصن على ( الجبهة ) « 5 » فهاجت البلابل على أوراقه .
هامش
( 1 ) أحد فروع بردى السّبعة التي تتفرّع في منطقة المقسم ، وهو أعلاها ارتفاعا ويسقي ضاحية الصّالحيّة . سمّي نسبة إلى يزيد بن معاوية ، فلهذا التّورية حول نقصه وجواز حرقه . ( 2 ) ثورا وبانياس والقنوات أيضا من فروع بردى المعروفة . ( 3 ) المرجة أرض خضراء كانت تمتدّ من ساحة المرجة الحاليّة إلى القصر الأبلق ( التكيّة اليوم ) . ( 4 ) الخلخال من محالّ دمشق المعروفة في العهد المملوكي ، فصّلنا بذكرها في نصّ البدري . ( 5 ) الجبهة من متنزّهات دمشق في العهد المملوكي ، في الطرف الشرقي لساحة الأمويين مع المسبح البلدي ومطعم النّبلاء في أيامنا كما أعتقد ، راجع نصّ البدري أدناه .