تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
وتجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة ، فتنقطع عمّن وراءها الآمال ، إلى أن أفضينا ولم نكد إلى المحل المقصود وهي دار قوراء نبهة البنية بالنسبة إلى جنسها « 510 » . . . ساذجة بادية ملطّخة الجدرات بالطين الأحمر ، متقابلة الأشكال بيوتها ، لاطية السقف غير مهذّبة الخشب ، بأعلاها غرف من جنسها ، يدور بداخلها برطال « 511 » مستعل على أرجل متّخذة من اللبن ، والحجر ملبّس بالطين ، والبيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء ، قد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى ، وتمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى ، وكحل العيون المرهى ، إذ كان رحمه اللّه آخر ملوك العدل نشأة ، لم تعرف الخبائث ، ولا آثرت الملاذ مغنيا في برّ والديه مصرّفا في انتساخ الذكر الحكيم يمنى يديه ، محافظا على الصلاة قيّوما عليها بالليل ، كثير الصدقة والصوم ، مجالسا للعلماء ، مستكشفا أحوال الرعايا ، حانيا على الضعفاء ، معملا في سبيل اللّه بيض الظبا « 512 » ، صابرا على اللأواء ، محتسبا في البلوى ، مستشعرا شعار التقوى ، ألحقه اللّه بالرفيق الأعلى . وبإزائه مصراع باب غسلت عليه جثّته الزكية ، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها ، ولا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها ، لما عضّ ذلك الملك الحلاحل « 513 » من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم ، ووجوه الغرانقة « 514 » الغر ، والتوكّؤ على النمارق المصفوفة ، والزرابي المبثوثة ، في المتبوأ الكريم ، واستثقال طلعة البدر ، واستجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغبر ، وسكنى المحال الخشن ، ومفارقة الأهل والولد عند فراق الروح للجسد . جعلنا اللّه من الدنيا على حذر وتوق ، وكتبنا ممن قدر قدره ولم يأمن مكره . فقعدنا
هامش
( 510 ) هنا ثلاث كلمات غير مقروءة تماما ورسمها الآح بحق بها ( 511 ) المقصود البرطال أو البرطل : المدخل ويقابلها في اللغة الإسبانيةEl Partalوفي الإنجليزيةPorticoوفي الفرنسيةPortique .انظر ( جمال محرز : الرسوم الجدارية الإسلامية في البرطل بالحمراء ص 13 - 14 ) ، مدريد 1951 . ( 512 ) يقصد السيوف ( 513 ) الحلاحل أي العظيم ( 514 ) جمع غرنيق وهو طائر مائي أبيض جميل ، ويطلق كذلك على الشاب الأبيض الجميل الصورة
خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس ) — صفحة 119 | لسان الدين ابن الخطيب / احمد مختار العبادى