ولما فتح كسرى بلاد العجم وأحكم البنيان وشيد الحصون ومهد البلاد ونشر العدل والإنصاف في الحاضر والباد ، وجند الجنود وحشد الحشود ، سار إلى نحو الجزيرة وآمد « 533 » ، وفتح ما هناك من البلاد إلا آمد فإنه عجز عنها لتشييد بنائها وتمكين سورها ، فرحل إلى الفرات وافتتح حلب وأعمالها وكثيرا من الشام ، وغدر « 534 » بقيصر ملك الشام والروم ؛ وقتل ابن أخته بحمص ثم سار إلى أنطاكية وقتل صاحبها وافتتحها . فخاف قيصر وهادنه وحمل إليه الجزية « 535 » . وكان ذلك في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وفي ذلك نزل قوله تعالى :
« ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ »
« 536 » . والقضية قصة مشهورة ليس هذا موضع ذكرها . قال : وحمل كسرى من الشام من أعاجيب الرخام وبدائع المرمر وأنواع البلاط المجزع والأحجار البهجة ؛ فبنى بالعراق مدينة تسمى برومية وزخرفها بأبهى ما قدر عليه ، وكان أراد أن يصنع ذلك بآمد فلم يقدر على أخذها وفتحها ؛ فجعل رومية على هيئتها وشكلها . واشتد سلطان كسرى وعظم ملكه حتى هابته ملوك الأرض وهادنته وحملت إليه الجزية ، وتزوج بشاه روزا ابنة خاقان ملك الترك ولم يكن في زمانها أكمل منها محاسن ، ولا أبدع صورة وشكلا . وكتب إليه ملك الصين : من نقفور ملك الصين صاحب قصر الدر والجواهر ، الذي يجري في ساحة
هامش
( 533 ) آمد : بكسر الميم ، وهي لفظة رومية : بلد قديم حصين مبني لا لحجارة السود ، ودجلة محيطة بأكثره ، مستديرة به كالهلال ( مراصد الاطلاع ، البغدادي ، ج 1 ، ص 6 ) .
( 534 ) الغدر : الإخلال بالشيء وتركه ، والغدر يقال لترك العهد ، ومنه قيل : فلان غادر ، وجمعه : غدرة ، وغدار : كثير الغدر ، والأغدر ، وغدرت الشاة : تخلفت فهي غدرة انظر : اللسان ( غدر ) .
( 535 ) الجزية :Tribute: الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة من مال وغيره من أهل البلاد المفتوحة مقابل حمايتهم والذود عنهم .
( 536 ) سورة الروم : آية 1 - 3 .