فزحف إلى مربيطر في ربيع سنة 219 فقاومه أهل مربيطر مقاومة شديدة وجرح انيبال في المعركة وكان في جيش القرطاجنيين آلة قتال يقال لها الكبش تقذف بالشرر ولها رؤوس محددة من كل جهة فقلما كان العدو يثبت أمام هذا الكبش النطاح الا أن أهل مربيطر ثبتوا أمامه بشدة المقاومة التي امتاز بها الاسبانيون ولا تزال هذه المزية تظهر فيهم في جميع حروبهم القديمة والحديثة فإنهم يستبسلون في المقاومات استبسالا قلما يتحدث به التاريخ عن أمة من الأمم . تأمل في الحروب الكارلوسية التي نشبت فيما بينهم وفي الحرب التي وقعت بين الفرنسيس والاسبانيين عندما زحف بونابرت علي إسبانية . وتأمل أيضا في الحرب الأهلية الواقعة بينهم اليوم بينما نحن نكتب هذه هذه السطور سنة 1938 م كم استبسل فيها الفريقان الحزب المحافظ من جهة والحزب الاشتراكى والشيوعى من جهة أخرى وكم احتقر الموت كل منهما . انك إذا تأملت تقضى العجب من صلابة رؤوس هذه الأمة واستخفافها بالمنايا في جانب حقدها وإحنتها حتى أن الفريق المغلوب منها يؤثر الموت علي الاستسلام وإن لم تبق في يده حيلة آثر أن يموت صبرا بيد عدوه على أن ينقاد اليه ويقبل حكمه . وهذا قد حيّر جميع الواقفين على وقائع هذه الحرب التي بدأت بين الاسبانيين اى منذعامين وتفجّرت فيها دماؤهم كالأنهار وظهرت فيها من الفريقين قسوة في استئصال بعضهم بعضا لم يكن الناس يظنونها باقية فيهم إلى هذا العصر الذي رقّت فيه الطباع وتغيرت الأوضاع . وكل هذا في الحقيقة يزيد في عظمة شأن العرب الذين غزوا هذه الأمة الشديدة الصليبة في عقر دارها واكتسحوا بسائطها وسخّروا شمّ جبالها ورجالها وأرغموا معاطس أجنادها وأبطالها وضربوا عليهم الذلة والمسكنة من جبل طارق إلى جبال البرانس وإلى خليج غشقونية ولبثوا عدة فرون وهم سادة هذه الأرض لا ينازعهم فيها منازع الّا كبوه على أم رأسه وعدة قرون أخرى وهم في جلاد شديد مستمر مع هذه الأمة الاسبانيولية التي لا تعرف للموت معنى كما هو ظاهر من ماجريات الحرب التي نحن شاهدوها الآن فلا جرم أن هذه الحرب أتت بشاهد جديد على فضل العرب إلى مدى لم يكن الناس يتصورونه من قبل وأثبتت أن الأمة التي تأتى من وراء البحر وتتغلب على أمة صلبة العود كهذه
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 37
مساهمون: شكيب أرسلان
ص٣٧