ثم إن الأمير هذيل اشترى كثيرا من الجواري الحسنات المشهورات بالتجويد ، طلبهن في كل جهة ، فكانت ستارته أحسن ستائر ملوك الأندلس . وكان مع هذه الأوصاف كنفا للقصاد ، ومنهلا عذبا معينا للورّاد ، سهل المأخذ ، لم يزل على أحسن حالاته إلى أن أدركته منيته ، فمات بالسهلة ، سنة ست وثلاثين وأربعمائة . فكانت دولته ثلاثا وثلاثين سنة كلها آمنة هادنة
وولّى بعده ابنه عبد الملك بن هذيل بن خلف بن لب بن رزين ، بويع له يوم موت أبيه سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، وكان في أيام أبيه يسمى حسام الدولة ، وكان بالعكس من أبيه . قال ابن حيان : وكان سيئة الدهر ، وعار العصر ، جاهلا لا متجاهلا ، وخاملا لا متخاملا ، قليل النباهة ، شديد الإعجاب بنفسه ، بعيد الذهبة بأمره ، زاريا على أهل عصره ، إن ذكرت الخيل فزيدها ، أو الدهاة فسعدها وسعيدها ، أو الشعراء فجرولها وأسيدها ، أو الأمراء فزيادها ويزيدها ، أو الكتاب فبديع همذان ، أو الخطابة فقس وسحبان ، أو النقد فقدامة ، والعلم ليس منه ولا كرامة ، خلىّ من المعارف ، وشعره أهتف من كل هاتف ، ومنه قوله الذي هو جسم بلا روح ، وليل بلا صبوح :
أدرها مداما كالغزالة مزّة * تلين لرائيها وتأبى عن اللمس
وتبدو إلى الأبصار دون تجسم * على أنها أشفى على الذهن والحسّ
وقوله أيضا :
يا ربّ ليل أطال الهجر مدّته * فأيأس العمر من إدراك منتصفه
ليل تطاول حتى ما تبيّن لي * عند التأمّل أن الدهر من سدفه
وقوله :
أنا ملك تجمعت فىّ خمس * هي للأنام محى مميت
هي ذهن وحكمة ومضاء * وكلام في وقته وسكوت