قال أبو شامة : وعدّ ما وقع من تلك النار الخارجة وحريق المسجد من الآيات ، وكأنّها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات .
قال أبو شامة في ذلك :
نار أرض الحجاز مع حرق ألم * سجد مع تغريق دار السلام
بعد ستّ من المئين وخمسي * ن لدى أربع جرى في العام
ثمّ أخذ التتار بغداد في أوّ * ل عام من بعد ذاك وعام
لم يعن أهلها ، وللكفر أعوا * ن عليهم يا ضيعة الإسلام !
وانقضت دولة الخلافة منها * صار مستعصم بغير اعتصام
فحنانا على الحجاز ومصر * وسلاما على بلاد الشّآم
وفي تاريخ ابن كثير عن الشيخ عفيف الدّين يوسف بن البقّال أحد الزهاد ، قال :
كنت بمصر ، فبلغني ما وقع ببغداد « 1 » من القتل الذريع ، فأنكرته بقلبي ، وقلت : يا ربّ كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له ؟ ! فرأيت في المنام رجلا وفي يده كتاب فأخذته فإذا فيه :
دع الاعتراض فما الأمر لك * ولا الحكم في حركات الفلك
ولا تسأل اللّه عن فعله * فن خاض لجّة بحر هلك
قلت أجرى اللّه تعالى عادته أنّ العامة إذا زاد فسادها وانتهكوا حرمات اللّه ، ولم تقم عليهم الحدود أرسل اللّه عليهم بية في إثر بية ، فإن لم ينجح ذلك فيهم أتاهم بعذاب من عنده ، وسلّط عليهم من لا يستطيعون له دفاعا ؛ وقد وقع في هذه السنين ما يشبه الآيات الواقعة في مقدّمات واقعة التّتار ، وأنا خائف من عقبى ذلك ، فاللّهم سلّم سلّم ! فأوّل ما وقع في سنة ثلاث وثمانين حصول قحط عظيم بأرض الحجاز .
وفي سنة خمس وثمانين لم يزد النّيل القدر الذي يحصل به الرّيّ ، ولا ثبت المدّة التي يحتاج إلى ثبوته فيها ، فأعقب ذلك غلاء الأسعار في كلّ شيء .
وفي سنة ستّ وثمانين في سابع عشر المحرم زلزلت مصر زلزلة منكرة لها دويّ شديد ، وقع بسببها قطعة من المدرسة الصالحية على قاضي الحنفيّة شمس الدين بن عيد ، وكان من خيار عباد اللّه فقتلته .
وفي ليلة ثالث عشر رمضان من هذه السنة ، نزلت صاعقة من السماء على
هامش
( 1 ) شذرات الذهب : 5 / 264 .