تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أحمده على نعمه التي رتعت الأعين منها في الرّوض الأنف ، وألطافه التي وقف الشاكر عليها فليس له عنها منصرف . وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة توجب من المخاوف أمنا ، وتسهّل من الأمور ما كان حزنا . وأشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله الذي جبر من الدين وهنا ، والذي أظهر من المكارم فنونا لا فنّا ، صلّى اللّه عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى ، وأصحابه الّذين أحسنوا في الدين فاستحقّوا الزّيادة بالحسنى ، وبعد : فإنّ أولى الأولياء بتقديم ذكره ، وأحقّهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا في تسطير مناقبه وبرّه ، من سعى فأضحى سعيه للحمد متقدّما ، ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدا ومتهما ، وما بدت يد في المكرمات إلّا كان لها زندا ومعصما ، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرم منه نارا وأجرى منه دما . ولمّا كانت هذه المناقب الشريفة مختصّة بالمقام العالي المولويّ السلطانيّ الملكيّ الظاهريّ الركنيّ شرّفه اللّه وأعلاه . ذكره الديوان العزيز النبويّ الإماميّ المستنصريّ أعز اللّه سلطانه تنويها بشريف قدره ، واعترافا بصنيعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره . وكيف لا ، وقد أقام الدولة العباسيّة ، بعد أن أقعدتها زمانة « 1 » الزّمان ، وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان ، وعتب دهرها المسئ لها فأعتب ، وأرضى عنها زمنها . وقد كان صال عليها صولة مغضب ، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا ، وصرف إليها اهتمامه فرجع كلّ متضايق من أمورها واسعا رحبا . ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوّا وعطفا ، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب اللّه ما لا يخفى ، وأبدى من الاهتمام بأمر الشريعة والبيعة أمرا لو رامه غيره لا متنع عليه ، ولو تمسّك بحبله متمسّك لا نقطع به قبل وصوله إليه ، ولكنّ اللّه ادّخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه ، ويخفّف بها يوم القيامة حسابه ، والسعيد من خفّف من حسابه . فهذه منقبة أبى اللّه إلا أن يخلّدها في صحيفة صنعه ، ومكرمة تضمّنت لهذا البيت الشريف بجمعه ، فعد أن حصل الإياس من جمعه . وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع ؛ ويعترف أنّه لولا اهتمامك لا تّسع الخرق على الراقع وقد قلّدك الديار المصرية والبلاد الشاميّة ، والديار البكريّة والحجازيّة واليمنيّة والفراتيّة ، وما يتجدّد من الفتوحات
هامش
( 1 ) الزمانة : العاهة .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 71 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور