تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
فتخمد أشواقي وتسكن لوعتي * وأصبح عن كلّ الغرام بمعزل
ولمّا نفى عنّي الكرى خبر التي * أضاءت بإذن ثمّ رضوى ويذبل
ولاح سناها من جبال قريظة * لسكان تيما فاللّوى فالعقنقل
وأخبرت عنها في زمانك منذرا * بيوم عبوس قمطرير مطوّل
فقلت كلاما لا يدين لقائل * سواك ولا يسطيعه ربّ مقول :
ستظهر نار بالحجاز مضيئة * كأعناق عيس نحو بصرى لمخيّل
فكانت كما قد قلت حقّا بلا مري * صدقت وكم كذبت كلّ معطّل
لها شرر كالبرق لكن شهيقها * فكالرّعد عند السامع المتأمّل
وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفا * وبدر الدّجى في ظلمة ليس تنجلي
وغابت نجوم الجوّ قبل غروبها * وكدّرها دور الدخان المسلسل
وهبّت سموم كالحميم فأذبلت * من الباسقات الشّمّ كلّ مذلّل
وأبدت من الآيات كلّ عجيبة * وزلزلت الأرضون أيّ تزلزل
وأيقن كلّ النّاس أنّ عذابهم * تعجّل في الدّنيا بغير تمهّل
وأعولت الأطفال مع أمّهاتها * فيا نفس جودي ، يا مدامعي اهملي
جزعت فقام النّاس حولي وأقبلوا * يقولون : لا تهلك أسى وتجمّل
لعلّ إله الخلق يرحم ضعفهم * وما أظهروه من عظيم التذلّل
وتاب الورى واستغفروا لذنوبهم * ولاذوا بمنوال الكريم المبجّل
شفعت لهم عند الإله فأصبحوا * من النار في أمن وبر معجّل
أغاثهم الرحمن منك بنفحة * ألذّ وأشهى من جنى ومعسّل
طفى النار نور من ضريحك ساطع * فعادت سلاما لا تضرّ بمصطلي
وعاش رجاء الناس بعد مماتهم * فيا لك من يوم أغرّ محجّل !
فيا راحلا عن طيبة إنّ طيبة * هي الغاية القصوى لكلّ مؤمّل
قفا نبك ذكراها فإنّ الذي بها * أجلّ حبيب وهي أشرف منزل
دخلت إليها محرما وملبّيا * وأضربت عن سقط الدّخول فحومل
مواقف أمّا تربها فهي عنبر * وأمّا كلاها فهو نبت القرنفل
يفوح شذاها ثمّ يعقب نشرها * لما راوحتها من جنوب وشمأل
فيا خير مبعوث وأكرم شافع * وأنجح مأمول وأفضل موئل
عليك سلام اللّه بعد صلاته * كما شفع المسك العبيق بمندل « 1 »
هامش
( 1 ) المندل : العود الطيب الرائحة .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 66 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور