وللقلعة الغرّاء كالبدر طالعا * يفرّج صدر الماء عنه هلالا
ووافى إليها الماء من بعد غيبة * كما زار مشغوفا يروم وصالا « 1 »
وعانقها من فرط شوق لحسنها * فمدّ يمينا نحوها وشمالا
ولم تزل هذه القلعة عامرة ، حتّى زالت دولة بني أيّوب ، فلمّا ملك السلطان الملك المعزّ عر الدين أيبك التركمانيّ أوّل ملوك الترك بمصر ، أمر بهدمها ، وعمّر منها مدرسته المعروفة بالمعزّية في رحبة الحنّاء بمدينة مصر ، وطمع في القلعة من له جاه ، وأخذ جماعة منها عدّة سقوف وشبابيك وغير ذلك ، وبيع من أخشابها ورخامها أشياء جليلة . فلمّا صارت مملكة مصر إلى السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ اهتمّ بعمارة قلعة الروضة ، ورسم للأمير جمال الدين موسى بن يغمور أن يتولّى عمارتها كما كانت . فأصلح بعض ما تهدّم منها ، ورتّب بها الجاندارية « 2 » وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة ، وأمر بأبراجها ففرّقت على الأمراء ، وأعطى برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاوون الألفيّ ، والبرج الذي يليه للأمير عز الدين الحلّي ، والبرج الثالث من برج الزاوية للأمير عز الدين أدغان « 3 » ، وأعطى برج الزاوية الغربي للأمير بدر الدين الشمسيّ ، وفرّقت بقيّة الأبراج على سائر الأمراء . ورسم أن يكون بيوت جميع الأمراء وإصطبلاتهم فيها ، وسلّم المفاتيح لهم ، فلمّا تسلطن الملك المنصور قلاوون ، وشرع في بناء المارستان والقبّة والمدرسة المنصوريّة نقل من قلعة الروضة هذه ما يحتاج إليه من العمد الصّوّان والعمد الرّخام التي كانت قبل عمارة القلعة بالبرابي ، وأخذ منها رخاما كثيرا ، وأعتابا جليلة ممّا كان بالبرابي وغير ذلك . ثم أخذ منها السلطان الناصر محمد ابن قلاوون ما احتاج إليه من العمد الصوّان في بناء الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل وبالجامع الجديد الناصريّ ظاهر مدينة مصر ، وأخذ غير ذلك حتّى ذهبت كأن لم تكن .
قال المقريزيّ « 4 » : وتأخّر منها عقد جليل تسمّيه العامّة القوس ، كان مما يلي جانبها الغربيّ أدركناه باقيا إلى نحو سنة عشرين وثمانمائة ، وبقي من أبراجها عدّة قد انقلب كثير منها ، وبنى الناس فوقها دورهم المطلّة على النيل ، وعادت الروضة بعد هدم القلعة منها متنزّها ، تشتمل على دور كثيرة ، وبساتين عدّة ، وجوامع تقام بها الجمعات والأعياد ، ومساجد . وفي الروضة يقول الأسعد بن ممّاتي :
هامش
( 1 ) في الخطط المقريزية : 2 / 184 : ووافى إليها النيل من بعد غاية ، كما زار مشغوف . . .
( 2 ) العسس .
( 3 ) في الخطط المقريزية : 2 / 184 : أرغان .
( 4 ) الجزء الثاني من الخطط : 184 .