تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وقال عليّ بن سعيد في كتاب المغرب - وقد ذكر الروضة : هي أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة ، وبها مقياس النيل ، وكانت متنزّها لأهل مصر ، فاختارها الصالح بن الكامل سرير السلطنة ، وبنى فيها قلعة مسوّرة بسور ساطع اللّون ، محكم البناء ، عالي السّمك ، لم تر عيني أحسن منه ، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الّذي بناه الآمر الخليفة لزوجته البدويّة التي هام في حبّها ، والمختار بستان الإخشيد وقصره ، وله ذكر في شعر تميم بن المعزّ وغيره . ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار منها قول أبي الفتح بن قادوس الدمياطي :
أرى سرح الجزيرة من بعيد * كأحداق تغازل في المغازل
كأنّ مجرّة الجوزاء خطّت « 1 » * وأثبتت المنازل في المنازل
وكنت أبيت بعض الليالي في الفسطاط على ساحلها ، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل . أمّا سور هذه الجزيرة الدرّيّ اللون ، فلم ينفصل عن مصر حتّى كمل سور هذه القلعة ، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همّة بانيها ، هو من أعظم السلاطين همّة في البناء . وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم تر عيني مثاله ، ولا يقدّر ما أنفق عليه ، وفيه من الكتابة « 2 » بصفائح الذهب والرّخام الأبنوسيّ والكافوريّ والمجزّع ما يذهل الأفكار ، ويستوقف الأبصار ، ويفصل عمّا أحاط به السور أرض طويلة في بعضها حاظر حظر على أصناف الوحوش التي يتفرّج فيها السلطان ، وبعدها بروج « 3 » يتقطّع فيها مياه النيل ، فينظر فيها أحسن منظر ، وقد تفرّجت كثيرا في طرق هذه الجزيرة ممّا يلي برّ القاهرة ، فقطعت بها عشيّات مذهبات ، لا تزال لأحزان الغربة مذهبات ، وإذا زاد النيل فصل ما بينها وبين الفسطاط بالكليّة . وفي أيّام احتراق « 4 » النيل يتّصل برّها ببرّ السلطان من جهة خليج القاهرة ، ويبقى موضع الجسر يكون فيه المراكب . وركبت مرّة في هذا النيل أيام الزيادة مع الصاحب المحسن محيي الدين بن بندار « 5 » وزير الجزيرة ، وصعدنا إلى جهة الصعيد ثمّ انحدرنا ، واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلألأ ، والنيل قد انقسم عنها ، فقلت :
تأمّل لحسن الصالحيّة إذ بدت * مناظرها مثل النجوم تلالا
هامش
( 1 ) في الخطط المقريزية : 2 / 183 : أحاطت . ( 2 ) في الخطط المقريزية : 2 / 184 : وفيه من صفائح الذهب . . . ( 3 ) في الخطط المقريزية : 2 / 184 : مروج . ( 4 ) أي عند قلّة مياهه . ( 5 ) في الخطط المقريزية : 2 / 184 : ندا .